إشكالية الخلق والأزلية
جواد بشارة - العراق

  يتماهى البشر مع فكرة الله والربوبية منذ قديم الزمان، منذ نشأة الوعي وملكة التفكير عن الإنسان، ولكن بأشكال وصور مختلفة، فهو المطلق الذي سماه الفيلسوف والطبيب وعالم الكيمياء الإسلامي الفخر الرازي" الباري" ، والذي يختلف كلياً عن صورة الالهة المعروفة في الفلسفة واللاهوت والدين، فهو يختلف عن المحرك الأول عند أرسطو بسبب طبيعة الارتباط بالمخلوقات، كما يختلف عن إله الأفلاطونية الجديدة لأنه لم يخلق العقل ولا النفس أو الروح الكلية أو الجمعية، فالعقل موجود بذاته مستقلاً عن الله ، أي هو كائن آخر مساوق له في الكينونة ومشارك له في الفعل. وبالطبع يختلف كلياً عن إله اللاهوت والأديان السماوية التوحيدية لأنه غير كامل القدرة ولأنه متغير في إرادته ، كما لاحظنا في مفهوم البداء ، حيث أراد شيئاً وبدا له شيئاً آخر ، كما يقول الشيعة. وهو لا يبعث الأنباء والرسل وهو غير إله أبيقور لأن هذا الأخير، إن وجد، لا يتدخل في شؤون المخلوقات ولا يستمع إلى أدعيتهم وابتهالاتهم.

ففكرة الإله الخالق بذاتها وضعت البشر أمام بديهية وجود كائن لا أرضي أو خارج الأرض ، أي فضائي لا بشري ، ولا ندري إذا كان موجوداً خارج الكون أم داخله، علماً بأن غالبية المعتقدات المتعلقة بالخلق والخليقة في العهود القديمة كانت تعددية أو مشركة على حد تعبير الإسلاميين، وانعكاساً لتصوراتهم التي تنقلت من تأليه الحيوانات zoomorphes، إلى التجسيم للذات الإلهية anthropomorphes، فيما قامت الأديان التوحيدية السماوية les religions monothéistes، بوضع حواجز نفسية متمركزة حول الذوات البشرية ethnocentriques، لجعل الإنسان محور الكون والوجود وأهم مخلوقات الله ولا شيء أهم منه فهو الهدف والغاية الأسمى عند الخالق، وهذا الأخير ميز الإنسان عن باقي المخلوقات الأخرى بملكة العقل والذكاء والوعي واللغة التي يستطيع بواسطتها التعبير عن نفسه وأفكاره وتأملاته الوجودية، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي.

وكان تصوره لوجود خالق غير محدود القدرة هو الجواب على تساؤلاته بشأن الحياة وأصلها، والإنسان وأصله ومصيره. ولقد انبرت الأديان السماوية لهذه المهمة، وتطوع الكتاب المقدس اليهودي التوراة في سفر التكوين للحديث عن هذا الإله القابع في السماء بيد أن الإشارة له لم تكن بصيغة المفرد بل بالجمع فكلمة إيلوهيم Elohim تعني مجموعة من الإيلوها Eloha المفرد الذي يشير بالعبرية إلى الحكم والرب والملاك والإله ولقد تثبتنا من ذلك عند تفحصنا لقواعد اللغة العبرية ونحوها ، وهناك آيات وجمل عديدة في التوارة مثل :" عندما كانت الأرض جرداء قاحلة حيث يهيمن الظلام على سطح الـ abime : كانت روح الإليوهيم تصفو فوق المياه" ، وفي نص آخر :" عندما كانت ريح الآلهة تهيج المياه" ، وعندما طرد الله آدم وحواء من الجنة قال جملة :" وهكذا أصبح الإنسان مثلنا 3.22 في التوراة ــــ أي مثلنا نحن الآلهة ــ كما وردت عبارات تتحدث عن أبناء الإيلوهيم ما يعني أنهم متعددون خاصة وهناك سورة أخرى تتحدث عن تعلق أبناء الإلوهيم ببنات البشر ومعاشرتهن وعمل ذرية منهن ــ أنصاف آلهة وأنصاف بشر ، سفر التكوين 6.21 " وهي إشارة صريحة لاختلاط أبناء الآلهة ببنات البشر الخ ... وهذه هي صيغة أخرى لنظرية الخلق المباشر بإرادة لإلهية حيث يقول الله للشيء كن فيكون. وفي مقابل ذلك كان العلم قد تبنى جانب الرؤية العلمية الداروينية التطورية العقلانية أو البراغماتية المغايرة والداحضة للتصور اللاهوتي لخلق الكون والإنسان، و التي تقول أن الحياة هي ثمرة أو نتاج صيرورة كونية شاملة لا تقتصر على الأرض وحدها، وقد بدأت من كائنات عضوية وحيدة الخلية، سواء أكانت تلك الخلايا من خلق الله أم جاءت إلى الأرض من الفضاء الخارجي على ظهر النيازك والمذنبات التي اصطدمت بالأرض وفي كلتا الحالتين فإن أصل الحياة لا أرضي أي من خارج الأرض أي من الفضاء الخارجي، حتى إن عالم الفيزياء الفرنسي الكندي الشهير هيوبير ريفز قال أننا جميعاً أبناء النجوم أو من غبار النجوم، ولا أحد من العلماء من يتبنى فكرة أن البغ بانغ الانفجار العظيم نشأ من عدم ما عدا لورانس كراوس الذي أصدر كتاباً تحت عنوان " كون من لاشيء" لكنه يقدم تعريفاً جديداً ومبتكراً من الناحية العلمية لـ " اللاشيء" وهناك من يقول أن الفراغ الكمومي أو الكوانتي هو الذي يقود إلى انبعاث المادة . في حين يخبرنا النموذج الكوسمولوجي المعياري أن تمازجاً بين الحرارة العالية والكثافة الكبيرة المجتمعة على نحو مضغوط في نقطة غاية في الضآلة هو الذي أدى إلى نشوء هذه الغازات الكونية والطاقة الكونية وولادة الكون البدئي وعند طرح السؤال التعجيزي، من خلق تلك الكثافة والحرارة العالية التي أدت إلى الانفجار العظيم نعود إلى المثل الشائع " الدجاجة من البيضة أم البيضة من الدجاجة" ، والحقيقة هي أن الأصل يقبع في موقع ما خلف جدار بلانك الشهير le Mur de Planck، فكل ما نعرفه هو ما بعد جدار بلانك وليس ما قبله أو وراءه فهو الحد الأقصى المسموح للبشرية الوصول إليه أي 10-32 من الثانية الأولى بعد الانفجار العظيم حيث اعتبر البعض على نحو تعسفي أن جدار بلانك هو النقطة صفر فالضوء المرئي لم يكن موجوداً بعد وهو المصدر الرئيسي للمعلومة، والقوى الكونية الجوهرية الأربعة ــ الجاذبية والكهرومغناطيسية والنووية القوية أو الشديدة والنووية الضعيفة ــ كانت موحدة، وبدأت التخلخلات والاهتياجات والاضطرابات منذ لحظة الانفجار العظيم وما بعده ، علماً إن فانون الثرموديناميك الحراري الأول أشار إلى مبدأ حفظ الطاقة ــ فالطاقة لاتفنى ولا تستحدث من العدم ــ في نظام مغلق.

ولكن من غرائب الكموم أو الكوانتوم أن كوننا المرئي لم يكن يوماً ما نظاماً مفتوحاً. وهذا ما دفع بعض العلماء ، بغية الخروج من التناقضات والمفارقات الناجمة عن تلك السيناريوهات، أن يفترض أن الانفجار العظيم هو نتاج لثقب دودي يوصل بين كونين كمغاير لثقب الأسود عملاق وبدئي أو أولي أي نوع من الثقب الأبيض الطارد أو النابذ لكل شيء ، عكس الثقب الأسود الجاذب لكل شيء، وهذا الثقب الأبيض ، الذي يمكن تشبيهه بنافورة بيضاء هو الذي ولد منه أو من أحد رذاذه، كوننا المرئي إلى جانب أكوان أخرى وثقوب سوداء هائلة لا متناهية العدد، ومن كل ثقب أسود يخرج من الجانب الآخر منه كون آخر وبالتالي عدد لا متناهي من الأكوان، وهذه النظرية تفترض أن ثقباً أسود عملاق كان موجوداً في كون آخر رباعي الأبعاد، أكبر وأوسع من كوننا المرئي، قبل البغ بانغ الانفجار العظيم وانهار على نفسه، ومنه انبثق كوننا الحالي. ما يعني أن هناك تعدد كوني .

فرضية تعدد العوالم وتعدد الأكوان:

تقول الفلسفات القديمة والدينية ومنها الفلسفة الإسلامية كما الفلسفة الإغريقية ، أن العالم مكون من مركز ثابت ، في البداية كانت الأرض هي المركز، وأجرام سماوية تدور حوله وهي توابع للأرض بما فيها الشمس فكلها مسخرة لخدمتها ، ومن ثم انتقل مركز الكون عند بعض الفلكيين القدماء من الإغريق والإسلاميين، إلى الشمس باعتبارها مركز الكون ودوران الأرض حولها ولقد هيمن التصور البطليموسي على صورة الكون بحيث تبنته الكنيسة المسيحية واعتبرته من المقدسات التي يحرم المس بها أو مناقشتها ناهيك عن الاعتراض عليها فهذا بناموسهم هرطقة وزندقة تستحق القتل البشع كما فعلوا بالمفكر الشهيد جيوردانو برونو، وإرغام غاليلو غاليله عن التراجع عن أفكاره والتنكر لها بهذا الخصوص. لكن هذا لا يعني أن موضوع تعدد العوالم لم يخطر على بال أحد في الماضي. فهو موجود في الفكر الصيني في كتاب المفكر والفيلسوف التاوي الصيني ليه تز المتوفي عام 475 قبل الميلاد وقال فيه :" ذهبت إلى الشرق حتى ينغ وسألت مابعد هذا؟ فأجابوني : نفس ما هنا. ومضيت إلى الغرب حتى وين وسألت ما بعد هذا؟ فأجابوني: نفس ما هنا. استخلصت من هذه التجربة إن اصطلاح " بحار أربعة" و " اقاليم أربعة" قد لا يكون مطلقاً . فلا بد أخيراً من الوصول إلى الغير متناهي. إذا كان كوننا " الأرض والسماء" محدوداً " متناهياً " أليس هو متواصلاً من غير نهاية مع أكوان أخرى؟ من يعرف إن عالمنا ليس أكثر من فردة في لا متناهي" – كما جاء بقلم هادي العلوي في دراسته " الرازي فيلسوفاً " – وكذلك الرازي في كتابه " بستان العقل" قال بإمكان وجود عوالم كثيرة غير عالمنا فهو يقول بحدوث وتناهي عالمنا، وأزلية وعدم تناهي الهيولى وما يرتبط بها من مكان سماه الخلاء وزمان سماه الدهر وبالتالي اعتبر العالم مجرد كينونة جزئية صادرة عن وجود أعم وأشمل هو المطلق.

لا يوجد تعليقات حتى الآن