الدروز في إسرائيل
والتماهي بالمتسلّط

مهدي سعد - فلسطين

تشكل الطائفة الدرزية في إسرائيل نموذجًا فعليًا لظاهرة "التماهي بالمتسلط" التي تنتشر على نطاق واسع في المجتمعات المتخلفة، ولكي نفهم السلوك السياسي والاجتماعي للدروز في إسرائيل لا بد من تسليط الضوء على هذه الظاهرة، فهي تعطينا التفسير الشافي لطبيعة العلاقة بين الدروز كمجموعة مقهورة والمؤسسة الإسرائيلية التي تمارس القهر بحقها.

سأعتمد في تحليلي لواقع الدروز في إسرائيل على كتاب قيّم يدرس هذه الظاهرة بكثير من العمق والرصانة، يحمل الكتاب عنوان "التخلف الاجتماعي- مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور"، وهو من تأليف د. مصطفى حجازي، أصدره المركز الثقافي العربي في الدار البيضاء وبيروت عام 2007.

يعرّف د. حجازي ظاهرة "التماهي بالمتسلط" على النحو التالي: "التماهي بالمتسلط يشكل أحد المظاهر البارزة في سعي الإنسان المقهور لحل مأزقه الوجودي والتخفف من انعدام الشعور بالأمن، والتبخيس الذاتي الذي يلحق به من جراء وضعية الرضوخ. إنه كحل عبارة عن هروب من الذات وتنكر لها، وهروب من الجماعة وتنكر للانتماء إليها، من خلال التشبه بالمتسلط وتمثل عدوانيته وطغيانه ونمط حياته وقيمه المعيشية. إنه استلاب الإنسان المقهور الذي يهرب من عالمه كي يذوب في عالم المتسلط ونظامه آملا في الخلاص".

نلاحظ بأن هذا الكلام ينطبق بشكل كلي على وضعية الدروز في إسرائيل وعلاقتهم مع السلطة الحاكمة، ففي مجال "التبخيس الذاتي" نرى شريحة واسعة من أبناء الطائفة الدرزية توجه اللوم لذاتها وتحمّل نفسها كامل المسؤولية عن الأوضاع المزرية التي تعاني منها الطائفة، وفي المقابل تبرئ هذه الشريحة المؤسسة الإسرائيلية وتبرر كل ما تقوم به السلطة من سياسات تمييزية وإجراءات تعسفية بحق أبناء الطائفة الدرزية.

كذلك نلمس داخل الطائفة الدرزية حالة "الهروب من الذات" بصورة ملفتة، حيث نجد فئة لا بأس بها من أبناء الطائفة تتنكر لأصلها العربي وتسعى دومًا إلى الانسلاخ عن انتمائها الوطني والقومي، وتعاني هذه الفئة من الاغتراب الثقافي وتشوّه الهوية وانعدام حضن دافئ تنتمي إليه.

في ظل غياب كافة عوامل الاعتزاز بالذات تلجأ هذه الفئة من المجتمع الدرزي المقهور إلى "التشبه بالمتسلط الإسرائيلي"، من خلال تبني منظومة قيمه المناقضة للقيم السائدة في المجتمع الدرزي، وتقوم بتقليد نمط حياة المتسلط سعيًا منها إلى كسب رضاه وتحقيق بعض المكاسب المادية، يبرز هذا السلوك عبر الإكثار من استخدام اللغة العبرية أثناء الحديث حتى بين الناطقين بالعربية، بالإضافة إلى مناصبة العداء لكل ما له صلة بالانتماء العربي واحتقار الموروث الحضاري الذي تنتسب إليه الفئة المذكورة.

النتيجة الحتمية للتشبه بالمتسلط الإسرائيلي هي فقدان مختلف المبادئ والأسس التي يقوم عليها بنيان المجتمع الدرزي، وبالتالي يصل هذا المجتمع إلى وضعية الذوبان في الآخر الذي يقمعه ويضطهده من خلال فرض التجنيد الإجباري ومصادرة الأراضي وتضييق الخناق على القرى الدرزية وحجب الميزانيات عن المجالس المحلية وغيرها من أشكال التمييز العنصري.

ويتابع د. حجازي عرضه للموضوع قائلا: "التماهي بالمعتدي هو من أقوى عوامل مقاومة التغيير، وعرقلة التحرر الوطني والاجتماعي، خصوصًا عندما يتخذ شكل التماهي بقيم المتسلط وتبني مثله العليا. وهو كذلك لأنه ينمي عند الإنسان المقهور وهم التحرر من خلال التنكر للمشكلة الذاتية والجماعية، ومن خلال التمسك بمظاهر خادعة يعتقد فيها اقترابًا من نماذج الوجاهة السائدة".

تعتقد مجموعة كبيرة في المجتمع الدرزي بأنها تعيش في بحبوحة في ظل الحكم الإسرائيلي، وتتوهم هذه المجموعة بأن أوضاع الطائفة في أفضل حال، لذلك تنكر سياسة الغبن والإجحاف التي تمارس بحق الطائفة في كافة المجالات ولا تعترف بوجودها.

أما بالنسبة للتمسك بالمظاهر الخادعة فهي منتشرة على نحو كبير في أوساط الطائفة الدرزية، إذ يتباهى عدد من أبناء الطائفة بخدمتهم في الجيش الإسرائيلي وتبوئهم مناصب عسكرية مرموقة، ويظن هؤلاء بأنهم قد حققوا ذاتهم من خلال الخدمة العسكرية، ويغيب عن بالهم أنهم يخدمون المؤسسة التي تمنعهم من البناء على أراضيهم وتهدد بهدم بيوتهم.

بما أن السواد الأعظم من أبناء الطائفة الدرزية قد تماهى بقيم المؤسسة الإسرائيلية وتبنى مثلها العليا، فإن عملية تغيير الواقع المزري الذي تقبع فيه الطائفة تعتبر مهمة شبه مستحيلة، ولكي يصل الدروز في إسرائيل إلى مرحلة التحرر من الهيمنة الإسرائيلية هم بحاجة إلى إعادة التصالح مع ذاتهم واكتشاف هويتهم الحقيقية من جديد


لا يوجد تعليقات حتى الآن