تحدي الآلهة
قراءة في رواية محمود حسين

الحب في مواجهة الجلاد
ليث الحمداني - العراق (كندا)


رواية (تحدي الالهة) لـمحمود حسين الصادرة عن دار الجديد عمل صغير بعدد صفحاته كبير باسلوبه الشيق والممتع ، الرواية هي العمل الروائي الاول للثنائي المصري بهجت النادي وعادل رفعت الذي يكتب بأسم مصري هو محمود حسين الذي اختاراه منذ ان استقربهما المقام في فرنسا بعد هجرتهما من مصر اثر الحملة على اليسار نهاية الخمسينات حيث باشرا عملهما الثقافي المشترك وقدما دراستهما الهامة (الصراع الطبقي في مصر 1945-1968) ومن بعدها كتبهما الهامة (السيرة النبوية) الذي تطلب انجازه عملا مشتركا استغرق انجازه عشر سنوات ، و(مالم يقله القرآن) و(عندما تكلم العالم العربية) وجميعها باللغة الفرنسية وترجم بعضها للغة العربية ، كما هو حال الرواية التي بين ايدينا حيث نقلها للعربية احمد علي بدوي وهو كاتب واستاذ جامعي مصري يقيم في القاهرة .

(تحدي الالهة) هي اول عمل روائي لهما وهو من ادب السجون ويروي قصة طالب كلية الطب الذي يعتقل ايام الحملة الناصرية ضد اليسار المصري .

( في البدء كانت الحملة الكبرى.... في فجر الاول من يناير (كانون الاول) 1959 اعتقل عدة مئات من المناضلين في الوقت نفسه وعلى نطاق القطر المصري بأجمعه ليجري تجميعهم في جناح من القلعة اعد كمعتقل في منتهى السرية وبمهارة فائقة ، دبر اقتناص زعماء الحركة الشيوعية وقادتها ،بل كذلك طلبة في اصغر العمر ، وعددمن كتاب وصحفيين يعدون تقدميين ، بعد ذلك بثلاثة اشهر اعتقل من فاتهم الدور في المرة الاولى ،ولم يكد يفلت من الحملة الثانية احد امسى اليسار المصري في الاغلال).

يروي الطالب المعتقل حكايته مع الحارس عبدالله في معتقل الفيوم عام 1959 التي بدأت حين سأله الحارس (الهجانة) :
مالذي جاء بكم الى هنا ؟
يقول : كان ظهره للفناء،وعيناه مثبتتين على الاسلاك الشائكة بحيث لايمكن لاحد خلفنا ان يلحظ انه يخاطبني، لم افهم معنى سؤآله الذي عاد يطرحه للمرة الثالثة :
مألذي جاء بكم الى هنا؟
نحن معتقلون سياسيون .
- اعرف هذا ولكن لماذا ؟ لماذا انتم هنا ؟
- انا لم اختر ان اجيء الى هنا .
- انتم ابناء اسر كريمة رايت مساجين عاديين انتم لستم مثلهم .. هز رأسه :
تبدون لي مهذبين وأنت مأصغر سنك !
تردد لحظة ثم اضاف مستمرا في تجنب مواجهتي
- انت طالب؟
-اجل في كلية الطب
- الطب
- اجل
- ستصبح طبيبا ؟
فرضت على نفسي استخدام الجملة الشائعة : انشاءالله
-متى ستخرج من هنا ؟
- لااعرف على الاطلاق لم نقدم لمحاكمة ولانقضي عقوبة ، نحن هنا لان الرئيس قرر هذا وهو الذي سيقرر متى نخرج فيه هذا ان خرجنا .

في هذه الاجواء تدور احداث الرواية حيث الحبس الانفرادي بأمر من النقيب ، والانفراد بالنفس والتفكير في الماضي ... الكلية .. الحب ..الحياة واستعادة الصداقات القديمة ، والذكريات الجميلة ، ابرزها حكاية حبه لنادية زميلته في كلية الطب وكيف بدأت بجلوسها بجانبه على مدرج الدراسة واختارته من بين جميع زملائها لتبدأ معه قصة حب كان يستمد منها حبه للحياة في زنزانته المظلمة ، وفيما بعد دفاعه عن رسائلها الغرامية التي كانت ترسلها له للسجن تحت اشراف الرقيب المتلصلص بمواجهة القمع الذي يشمل كل شيء في حياة المعتقل وكيف عامل رسائلها حين نقله من معتقل الى آخر.

(لم يعد لي الا دقائق اتخذ فيها قراري ،قبل أن يحين دوري ليبطش بي الجلادون بلا تفكير فتحت حقيبتي ولمست محتوياتها بحثا عن رزمة الرسائل لكي لاأخرج غيرها باتت تفصلني عن النقيب حمدي اربعة امتار او خمسة ترقبت لحظة استطيع فيها قطع طريقي اليه دون السجانين ،وثبت لاصير في مواجهته :
أريته الرزمة وخرجت مني الكلمات :
-هذه رسائل تلقيتها في القلعة عليها ختم الرقيب واود الاحتفاظ بها ،لم يدر ببالي ولو لجزء من الثانية انني اخاطر بالتعرض لعقوبة وان احد الحراس قد ينقض علي ويشبعني ضربا بسبب جرأتي، بل أن يصادر النقيب الرسائل ويمزقها امام عيني لانني خالفت النظام كي اخاطبه كنت مسلوب اللب حاضرا بغيابي تركزت عيناي على وجه النقيب بنظارته السوداء .

لاشك في انه هو نفسه،اذ بوغت تردد لحظة لكنه ظل بلا حراك ثقيلا في جلسته من دون ان يبدي اي تعبير .
لم تبدر منه غير اشارة خفيفة بذقنه في اتجاه الباب تعني بامكاني الانصراف .ذهل الحراس ولم يدركوا سوى فعل النقيب بارتضائه مروري فوجب عليهم مثله .ولجت العنبر،من دون ان يعترض لي احد .
انما بعدئذ تملكني اعياء لايقاوم .

يصف بطل الرواية حملة الاعتقالات ونقل المعتقلين من سجن القلعة الى سجن الواحات والاذلال المتعمد الذي كانت تمارسه عليهم ادارات السجون بشكل ممنهج ، ويذكرني هذا بيوميات عن السجون قرأتها في السبعينات (الاقدام العارية) لطاهر عبدالحكيم و(ناصريون وشيوعيون) لفتحي عبدالفتاح .

يروي بطل الروايةحكاية خلافات المنظمات الشيوعية داخل السجن (الحزب السيوعي الموحد) و (الحزب الشيوعي المصري) (ماأجدر تقاتل تلك المنظمات بالسخرية ولاسيما أنه لم يستمد جدارته من اختلافات على ارض الواقع بل من اعتبارات نظرية ليس الا موضوعها مايزعم عن طبيعة النظام الناصري) (كم أنفجرنا ضاحكين أنا وانور ونحن نشهد هؤلاء وأولئك في تشابكهم كأنهم يمثلون قوى سياسية عظمى لها وزنها الحقيقي في البلاد بينما حرم الحرية سائر اجنحتهم) يروي البطل باسلوب انساني رقيق مشاهد توديع السجناء بعضهم البعض حين نقلهم الى السجون الاخرى ،في الرواية صور عن قساوة ايام السجون ولكنها تظل اقل بكثير من قساوة سجون السبعينات والثمانينات ومابعدها التي صورتها روايات مثل (شرق المتوسط) لعبدالرحمن منيف و(القوقعة ) للسوري مصطفى خليفة ، وهذا يؤكد ان الدولة العربية القمعية طورت اساليبها مع المعتقلين نحو الاسوأ بعد ان توطدت اركانها .

يروي البطل كيف وضع هو ورفيق له وسط مجموعة شيوعية من حزب آخر ومايدور بينهم يقول له رفيقه انور بعد انتهاء مدة حبسه الانفرادي بسبب حديثه مع حارس الهجانة ( مرت علينا ايام قاسية تلك التي قضاها كل منا في عزلته ، كنت انت معزولا وانا أشد عزله وسط هؤلاء وأشباههم .....

- في الحقيقة مالمشترك بيننا وبينهم ؟
- دعني افكر .. ماركس اليس كذلك ؟
- اي نعم مثلما في تاريخ الاسلام تلك الفرق المتعددة التي احتربت بينها بلا انقطاع وكل منهايستند الى الكتاب نفسه لا الى غيره . بيد أنه يوجد فارق بين شيوعيي اليوم وعلمائنا بالامس ،هو أن العلماء حفظوا القرآن عن ظهر قلب ، أما هؤلاء الشيوعيون فلم يقرأوا حرفا واحدا من راس المال .
- تصور للحظة واحدة تولى احدهم الحكم ماذا سيكون مصيرنا انت وانا؟
- لن يتأخر اعدامنا بتهمة الخيانة العظمى ...اتساءل عما يأخذانه على عبدالناصر، احتكار السلطة سيفعلون فعله لو كانوا مكانه .
- كلا بل اسؤأ منه ....راح انور ينكأ القرحة ان صدق حدسي ، فخارج هذا المكان اعداؤنا الالداء وداخله جلادونا في المستقبل )
تختتم الرواية بمشهد الانتقال الى سجن جديد مشهد انساني مأساوي في ذات الوقت :
( بصوت رتيب بدأ النقيب بطرح اسئلة عادية عن اسمي وسني ومهنتي وحالتي الاجتماعية . وفجأة وبلا تمهيد سألني:
- انت شيوعي؟
على الفور استشعرت الكمين . ان اجبت بالايجاب ، فسأمطر بالضربات لكي انفي التهمة ، وان بادرت الى الاجابة بالنفي، فقد رضيت بالاذلال لم يكن ذلك الاستجواب سوى بدايته .تجاهل السؤآل هو الحل الوحيد .
بصوته الرتيب كرر النقيب السؤآل :
- انت شيوعي؟
سمعت حولي همسات :
- لايفتح فمه .
- يتخيل انه بطل .
- يظن انه من الاذكياء .
وجه النقيب كلامه الى احد مرؤوسيه .
- ياحسن هذا الفتى يبدو أنه فقد صوته .

برز الذي اسمه حسن من الجمع ، واتخذ مكانه امامي . لم يكن وجهه يعبر عن شيء. نظر الي من دون أن يراني . وبطريقة آلية رفع هراوته واستدار من حولي،وهوى بها على ظهري من اعلى الى اسفل قاصفة تمزق لحمي. بتاثير الصدمة ترنحت . انثنت احدى ركبتي ،قبل أن استرد توازني .
- اكرر سؤآلي :هل انت شيوعي ؟
كززت على اسناني،وانا متقلص ، في انتظار الضربة التالية .وهوت في الموضع نفسه تقريبا ، فاختلجت فرط الالم،وبعدها ضربة ثالثة، فرابعة .

لم تنتظم الضربات في وقعها، فبين الواحدة والاخرى فاصل يختلف عن سابقه ،موح باحتمال توقفها ،ينسيني حذري ،قبل أن افاجأ بضربة اخرى فيعم تالمي بدني المتقد ويشتت ذهني .
بغتة احسست انني انزلق .بدا العذاب بلا نهاية . افيمكن أن افعل شيئا لوقفه؟ اتوجد تسوية ممكنة؟ أن اقول انني لست شيوعيا؟ سيسر هؤلاء الوحوش بما احرزوه من بعض انتصار علي . اسيكفيهم؟ لست ادري انخلعت من داخلي .
كفى عذابا.

عندئذ بدل النقيب اتجاهه :
ترفض أن تقول انك شيوعي .ليس لديك حتى شجاعة التمسك بافكارك . اذا فلست رجلا ! ماأنت ؟ انت أمرأة اذا قلها ، وبصوت عال قل : (انا امرأة)!
جاء صوت حسن ، من خلفي :
- اجب سيادة الضابط قل: أنا امراة !
اختلفت الامور تماما .لم تعد أي تسوية ممكنة .مبتغى هؤلاء أن اخنع ، أن اجلب على نفسي العار، الاأعود قادرا على رؤية وجهي في مرآة ، الااعود شطرا من ابتسامة نادية ، الايعود لي موضع في الكون هم على نحو فجائي ، اعادوا الي وعيي .
- اجب سيدة الضابط !
- قل: أنا امرأة !
- قل : أنا امرأة !
مزقني الالم.لكن لم يعد يعميني . أضحيت مسيطرا عليه بفضل تمسكي التام بالثبات على قدمي حين تهوي الضربة التالية . ينبغي أن اؤكد لهم انه ماعاد في مقدورهم ان يمسوني بأي ضر.

قال لي الضابط شيئا ما .جاء صوته من بعيد .كدت لااسمعه .لم اعد اعلق اهمية .حضرت نادية . لم يبق لسواها حضور .لقد عدت الى مرفئي .عاودت ملاقاة شجرتنا .
صرت منيعا



لا يوجد تعليقات حتى الآن