االنقد 


دراسة نقدية في قصائد

يحي السّماوي

::::: د. سعدي عبد الكريم | العراق :::::                          


  تَجلّيات الدَهْشَة
وتَمَظْهرات المَعْنى في البَثّْ الحِسّي، والفِكْري
في القَصائد الشعريّة الوامِضَة
للشاعر العراقي يحيى السماوي

المُقَدّمة -

تَتَمْحوُر الدَهْشَة ((surprising في معالم ابتكار المخبوءات  الجماليّة التي تحيط بنا، ولَعلَّ من أهم ابتكاراتها الحياتية العملية، والعلمية، والسيمترية، هي ظهور مواطن فعاليتها المُتحققة على مستويات النظريات الكبرى، ووفق تجديد النظرة الأولية لها، ومن ثم لتحقيق عملية تطورها وفق منظومة ملاحق الاكتشاف المرتكزة بشكل فاعل على عوالم ابتكار الدهشة، وتمظهرات المعنى المعرفي، والجمالي المُستتر داخل جسد البثّ الحسيّ، والفكري في النصّ الشعريّ الوامض.

ويُمكن لنا وفق النَّظرة النقديّة الفاحِصة اعتبار (الدهشة) على إنها مُحَفّز عالٍ من المُحفّزات الدافعة للبثّ المُحرّض، والمُلزم الناجع الآني للمُتغيّر الأستشرافي لمعالم التَغيير، على اعتبارهما المِهماز الجمالي الناجع، للارتقاء بالومضة الشعريّة حيث معالم استفزازية، وتحفيزية تلامس شغف التَلقّي، وتبعث على المُتعة، والإبهار، والمفاجأة، والتشويق، وبذلك يكون النصّ قد حقق مُراده الفاعل في ذاكرة الإنصات، وتَوَصَّلَ إلى إنشاء جسور مُعَمَّدة بالمُلحقات الفكريّة الناهضة، والحِسّيّة المُركَّبة، لإنجاح المعادلة القائمة بطرفيها المتلازمين (الاندهاش+التواصل)لإحياء واعث التدوين الحقيقي، مروراً بالاشتغال التأسيسي، وصولاً لملاحق الذروة، حيث بإمكان الومضة الشَعريّة الخــــاطفــة التي تمتـلك مقومــاتها التأثيثية الناهضة داخل تجلّيات المعنى في (البَثّ الحسّي، والفكري) اللّذان يُؤسسان لقاعدة الجدوى الاستقبالية لدى القارئ، وبإمكانها الحصول على جملة من المُسوّغات (البَثّية) الفاعلة في دائرة التَلقّي، وذاكرة الإنصات، بالاشتغال على الأنَّساق البنائية الرصينة، والمرتكزات الجمالية الراقية، والمناهض الفلسفية العالية.

الفَحْوَى الاسْتِدلاليّة -

ووفق هذا المنطوق البثّي، والبنائي، والجمالي، والفلسفي،الذي استعرضناه في المقدمة، يمكن لنا دراسة (الفحوى الاستدلالية) في مشروعية تجلّيات (الدهشة) في القصائد الوامضة للشاعر العراقي الكبير (يحيى السماوي) على ضوء قيامنا بإنشاء حاضنة نقدية تقوم على التحليل، والتفسير، والتأويل للظواهر الدلائلية، والمَجسّات الذاتية اللّحظية، والمبعوثات الجمعية الإنسانية، والعوارض المجتمعية الطارئة، لتكون كل تلك المبثّوثات دعائم تستدعي الشاعر (السماوي) لتقديم وجبة فاخرة من التداعيات الحسيّة، والفكريّة، والمحكمات الابتكارية، لتؤسس لومضاته الشعريّة حاضنة فلسفية راقية، وجمالية متقدة، تقوده صوب إنشاء سياقات توالدية منصهرة في بوتقة التواصل الإبداعي الخلاق، وفي تحليل، وتفسير، وتأويل جلّ الظواهر المحيطة به، باعتبـــار(الدهشة) الولـيدة الشرعية للفلسفة، كما قال أرسطو، مُصرحاً:-
(إن الفلسفة وليدة الدهشة)*

إن توافر المعالم الابتكاريّة لملامح (لدهشة) في الومضة الشعريّة، لدى الشاعر (السماوي) تتمحور على جملة من المعطيات لتوكيد أصالتها، وجمهرة من المعايير لتحقيق مبعوثاتها المهارية، وتوالداتها التراتبية اللّحظية، من خلال مواطن استثمار الدلالات القصدية، التي من شانها تثوير المكامن الجمالية، والإدهاشية فيها.

وللحديث عن العنوان الثاني من موسوم الدراسة النقدية التي تُعنى بتجلّيات المعنى في البثّْ الحسيّ والفكري، علينا أن نقف إزاء مصطلح (المعنى) باعتباره الرحم الأصيل، الذي تتوالد بداخله جمالية المبثوث القصديّ للومضة الشعرية.

وفي رأينا النقديّ .. أن المعنى في تأثيث الومضة الشعرية لدى الشاعر (يحيى السماوي) يتمظهر في تجلياته الكبرى داخل (الأطــر الشكليــة) و(شكلنــة المــعنـى) أي (الفحوى) ويتم من خلاله تأسيس مناخات جمالية حسيّة، تؤثر استدلالياً في تحويل المُشفر من أطروحات الومضة المركزة لديه، الى أفلاك من الصور الشعرية المكثفة، الأنضج ثراءً، والأنقى عطاءً، والاهم تأثيراً، والأبعد عمقا، والأكثر سلاسة، بالرغم من تعقيداته الاستثمارية في بنية الومضة الشعرية.

ووفق هذا المنظور لمفهوم الومضة الشعرية لدى الشاعر (يحيى السماوي) وحيثيات التقاء تجليات الدهشة، واستثمار المعنى داخل قوامها الشعري، علينا الإشارة أيضاً، إلى أن المعنى عند (السماوي) يشير إلى تمظهرات جملة من المخبوءات (الوجدانية الحسية) و(الفكريّة السياسية) المتوائمتان مع نسغ الدلالات القصدية المبنيّة على الاشتغالات التحريضية في عمق المبثّوثات الظاهرة، والخفيَّة التي تصطرع في لواعج الشاعر، لإظهارها بصيغ مختلفة المعاني، باستخدام مرجعية الانزياح، والرمز، والإيحاء، والدلالة، لتحويل المعنى عند (السماوي) من شكله الثابت المُقَوْلَبْ، إلى شكل مُتحرك حيّ دائم، داخل بنائية النَصّ الشعريّ الوامض، وإحالته إلى (معنى المعنى) المبثوث عبر الخزين التجاربي، والوجداني، والفكري، والسياسي، والإنساني، والمجتمعي للشاعر، ليَتحوَّل المعنى لديه، إلى معانٍ ليست لفظية، بل معانٍ ذات دلائل تحفيزية على التحريض، من خلال معالم المستثمرات اللّغوية ورصانتها، وتبيان ماهية القدرة الفاعلة للمعنى في جسد النصّ، على استيعاب ذلك التكثيف في اللغة، والاختـــزال في الصـورة، والتشفير، وبثّ الدلالات الهادفة إلى التحريض، عبر قصدية كتابة (الومضة الشعريّة السماوية) التي أتَّسمت بطابع الاقتصاد في معاييرها التدوينية البنائية، وشرائطها الموجزة، وتركيباتها اللّغوية الانزياحية البالغة الحضور، وإنشاءاتها الصوريّة الشعريّة الرمزية، والإيحائية، والتلميحية.

وبطبيعة الحال تأتى هذه الملزمات الناهضة، من خلال وعي الشاعر (يحيى السماوي) بمنجدية اللّغة، ومعرفته بالثابت، والمُتغيــر فيـــــها، وقدرتـــه علــى فــــرز المحسوسات من المعاني وبثّها على مساحة ذات قصر فسحوي ضمني، لكنه يتمتع بجمالية ذات موازين فاعلة في جسد النصّ، لذا نجد الشاعر مُلْزَماً على تفجير طاقته السلبية، والايجابية لتَّجسيد (المعنى) داخل حيثيات الومضة، وتوغله داخل وعي المتلقي، لبثّ المحرض الحسّي، والفكري الكامن فيه، وتنشيطه، ونقله بطريقة التفاعل للمتلقي، لتبيان قدرته على مجارات النص، لقد استطاع (السماوي) أن يكشف عن أقصى درجات طاقاته الشعريّة، عبر اللّغة، والصورة، والتكثيف، والترميز، والدلالة لخلق حالة من الهيبة على المُتخيل، والواقع، وإنشاء بوتقة ذات مرتكزات فهمية عالية في تطويع (المعنى) للكشف عن المُتغاير الحداثوي، لبناء ومضته بناءً حسيّاً، وفكرياً فاخراً، ليحصل على مواطن الاستجابة العليا، والمثلى من لدن المتلقي.

المَرجعِيّات الاستثماريّة-

إن من بين أهم المصاديق التي يمكن لنا الإشارة إليها في مضامين (المرجعيّات الاستثماريّة) التي اعتمد عليها الشاعر (يحيى السماوي) في تأثيث ومضته الشعريّة، هي الوضوح التامْ المُعبر، والوعي النوعيّ الكامن، والتوازن البثَّي، والمعيّار الفكري الثابت، والنحت الحسّي العميق، وحضور الفُسحة الجمالية، على اعتبارها ان هذه الاشتراطات مُلزمة للشاعر في بناء ومضته الشعريّة وإنتاج اعتقادي لـ(المعنى) باعتباره ركن أساسي في إخضاع ملهمات أدواته الفاعلة، والمتفاعلة مع المعالم المجاورة الأخرى التي تُغني النصّ الومضوي من الناحية الادهاشية، والأبتكارية، والتي تساهم في تكثيف المعنى ليصل في بعض الأحايين في ومضته الشعرية إلى اشّد حالات الغموض، والتعقيد الاستقبالي، لأن الدلالة في المعنى لدى (السماوي) تُفجر دلالات أخرى محاذية وفق معايير التجلّيات (الحسيّة+الفكريّة) والتي يُمكن استنباط نتائجها المُدهشة من خلال واعز تهشيم المعنى الى جزيئات مفصلية مهمة في دلالات المعنى الواحد، لتوسيع مدلول الصورة الشعريّة، باعتبارها الحالة الانتقاليـة من المُدون الجامد، الى المُتخيل المُتحرك، الذي يتغذى على الانزياح اللّغوي، وبلاغة التكثيف، والتناص مع المقدس، وموارد الميثولوجيا، والأسطورة، لخلق حالة من حالات التفرد في صياغة (الومضة الشعريّة) الرصينة.

تَمَظْهرات المَعنى -

لقد اتخذ (المعنى) تمظهرات عديدة في النّسق الشعريّ في مشروع كتابة الومضة الشعريّة لدى الشاعر العراقي (يحيى السماوي) وهو أي (المعنى) الحصيلة الكبرى في توزيع جهده الأدبي، والمعرفي، لأنه دائم البحث عن أهمية (وظيفة الشعر) ومديات تأثيرها على العقل الجمعي، وفي رأينا نجده دائم السؤال الأزلي القائم والذي مفاده-
(هل للشعر وظيفة أخرى، غير تحقيق المتعة، والبهجة)*؟

ليتخطى ذلك السؤال إلى حيزات أكثر فعالية في منهج كتابة ومضته الشعرية، لتكتشف عين الناقد المُبصر بأن (السماوي) قد أضاف لتلك الوظيفتين، وظائف أشتغالية فلسفية أخرى، تكمن في تثوير الإحساس الجمالي بالصورة، والتركيب اللّغوي، والتحليق داخل مُخيلة الحيّة، والاهم من هذا انه جعل للمعنى الواحد، معنى مجاور يلاصقه في تفسير الصورة الشعرية، فهو لا يعتبر الشِّعر مرحلة مؤقتة لتدشين الفرص المُتاحة في لعبة التدوين العابر، والغير مُؤثر على المستوى الذاتي للشاعر، أو على المستوى الاستقبالي مـن المتلقي، بـل يعـتبــر الشّعر فضيلة كبرى مُجدية في نقل المثير المؤثث بطريقة الحافز البثّي العالي، والتكوين البنائي الرصين، والتأسيس الحسيّ المُرهف، وإظهار المعنى الفكري الثوري،  والتأكيد على إظهار معالم التحريض، ومَصاديق التَغيير.

إن الفائدة النبيلة العُليا للومضة الشعريّة عند (السماوي) تكمن في قوام (المعنى) المُعبر من خلال تداخل الأنساق الجمالية في مُجريات الغوص داخل أعماق المفردة وتركيباتها اللّغــويــة، لاستخــلاص ابعد مديــــاتها التأثيرية المُقيمة في حيّزها الاستنطاقي، والبلاغي، وقد اخذ (السماوي) على عاتقه مهمة في غاية الخطورة، وبخاصة فيمّا يتعلق في تثوير المُحرض الحسّي، والفكري وبَثَّه في (معنى المعنى) داخل الومضة الشعرية، التي استطاع من خلالها توصيل عدة معانٍ في معنى واحد، ومعنى المعنى في ذات حركة الأنساق اللّغوية.


المُثِيرات الحَسيّة-

من التمظهرات التي اشتغل عليها الشاعر (يحيى السماوي) استثمار (المدرك الحسيّ) واستخدامه كأثر فاعل في عملية التداول العقلي، والذي يمكن من خلاله التعرف على المحيط الخارجي، أو الفضاء المجاور الذي ندركه عبر (المُثيرات الحَسيّة) المختلفة المنشئ، وهنا لابد من التأكيد على أن الإدراك الحسيّ، لا يقتصر على المثيرات الحسيّة، ولا الخصائص الشكلية، أو الطبيعية، أو المادية، المستوفية لشروط قبولها عقلياً، ولكن الحديث هنا يشمل المدرك الحسي الباطني (ألاشعوري) الذي من خلاله نستطيع أن نتلمس معرفة المعنى وإدراكه، وتفكيك الرموز وفهمها، ووعي الدلالات ومعانيها، ومعرفة المثيرات في المعاني، فالأثر الحسي يعني معرفة مباشرة للأشياء عن طريق الحواس، وهي عملية تلقي، وتفسير، وتحليل، وتنظيم المعلومات الحسية لبلورة الفكرة الأصيلة لعملية التلقي النوعي وهذا ما أطلق عليه شخصياً بـ (المنفعة الحسيّة).
أي أن المدرك الحسي بإمكانه النفاذ الى الومضة الشعرية، لتحقيق أهدافه النبيلة في استقراءها، وتفسيرها، وتحليلها، وفهم دلالاتها، وتشفيراتها، ونُظمها، وإحالتها الى مناطق التأويـــل عبر المدرك الحسي الــذي ينتج برأينا، عبر الوعي الذاتي المتبني لعملية التفكير الملموس، والاستشعار الحسي، والمدرك العقلي.

ووفق منظورنا النقديّ .. نرى بأن الشاعر (يحيى السماوي) قد اعتمد على جملة من الشرائط التي يجب توافرها لإحداث عملية التنشيط للمدرك الحسيّ، وهي برأينا تنحسر بالنقاط التالية :-
1- توافر المثير.
2- الإحساس بالمثير.
3- معرفة المثير، وإدراكه.
4- الاستدلال على المدرك الحسي.
5- حصول الاستجابة المثلى من المتلقي.
ومن خلال هذه الشرائط الخمس التي اعتمدها (السماوي) برأينا، يمكن للذاكرة الحسيّة الوجدانية المتلقية من تصور المعــادل الومضـوي المــــبثّوث إليها، والاستدلال عليه، والتفكير به، ومن ثم إحالته الى ملاحق التحليل، والتاويل، وهذا ما يحدث في حالة استقبال الومضة الشعرية بوصفها قيمة عالية من قيم البث اللحظي، التي تحمل جلّ الميزات، والشرائط المحفزة، لإثارة الدهشة، وتجلّيات المعنى.

البَواعث الفكريّة -

تُعدُ (البواعث الفكرية) لدى الشاعر (يحيى السماوي) في كتابة الومضة الشعرية من مُقومات النَّسق التكويني المُحفز في اثر البثّ السياسي، والأيدلوجي الذي يعتمده الشاعر في التأثير على الوعي الجمعي، وبخاصة دائرة التلقي، لأنه يَعّي أهمية تلك البواعث في تنشيط ذاكرته الفكرية المكتنزة بذلك الخزين المعرفي الهائل الذي مَكَنهُ من استنباط (لغة التخاطب) بينه، وبين المتلقي، فهو يُوقن بأهمـــــــية الدلالات الفكرية الواعية في اختزال الصورة الذهنية، لإفراغها في ومضته الشعرية لمعرفته المسبقة بقوانين، وأصول، ومرجعية الأفكار التي يؤمن بها، وبالتــــالي ينعكس هذا الاشتغال المُهم على الفُسحة الفكريّة داخل حضوره الذهني المُتَّقِد، والانقياد خلف واعزه المعرفي الحصيف، معبرا من خلال الومضة الشعرية المكثفة المعنى، والمختزلة الصورة، والمقتصدة الثيمة، والعالية في استثمار اللغة للتعبير عن عوالمه المرتبكة تارة، والمغتبطة أخرى، والحزينة ثالثة، فهو ابن شرعي بار لمأساة وطنه الفائتة، والحاضرة، ولديه القدرة الشعرية الفائقة في ترجمة تلك المأساة، وإحالتها لمنطقة التعبير الحرّ من خلال الومضة الشعرية، فهو يسعى للكشف عن القيمة الفكريّة، وتسليط الضوء على جلّ الأفكار الهجينة، والغير انسانية، للإفلات صوب ملاحــــــــق التغيير بمرجعية الوعي العام، والخلاص لفكر التحرر، والتحضر، والنفور من السائد المتحكم، والمألوف الطـــاغي، والتقريــــري الجامد الغير مُتحرك، فهو تعتمد على فلسفته الفكريّة، والجمالية، في نقل صورته الومضوية الشعرية الى حيزات الإشهار، ليكون الفاعل الأساس في ذاكرة التلقي، ودائرة الإنصات.

خَصائَص الوَمْضَة الشعريّة -

نحن نعتبر ووفق وجهة نظرنا النقدية .. بأن المهمة الأصيلة للومضة الشعرية، هي إحداث (زمن تَلّقي استفزازي) على المستوى الذاتي، الذي يتعدى حدود زمكانية التدوين، ليستقر داخل محيط العقل الجمعي، ليؤسس له حاضنة مستوفية لتواجد جملة من متراكمات المواقف الإنسانية، والمجسّات الحسيّة، والمحرضات الفكريّة، التي يقع على عاتق الومضة فيها، مهمة التغيير الجذري الجمعي.

إن المهاميز الوعيوية للومضة الشعريّة لدى الشاعر العراقي الكبير (يحيى السماوي) تعتمد على أُطر شكلية، وخائص استثمار تعبيرية تتمظهر في مجمل المحفزات الداخلية والخارجية الحسّية، وهي نقلة إبهارية دهشويــة تـــدق في ذات المتلقي جرس الإنذار الاستيعابي، ليكون أكثر وعيا في استلهام معانيها المشفرة، وإحالتها الى ذاكرته التفسيرية، ليكون الشريك المؤثر مع الشاعر (السماوي) في مُتغيرات بمجمل التجربة، وقد آلت تلك المنافع الجوهرية للومضة الشعرية الى التداخل في معارف الشاعر، ليُحليها الى تعبير صوري شعري مكثف، يختزل فيها جلّ ما يجول في خلجاته الإنسانية، والحسيّة الوجدانية، والفكرية  التحريضية، ويمكن لنا إيجاز خصائص الومضة الشعرية التي اعتمدها الشاعر (يحيى السماوي) بالنقاط الفاعلة في أجسادها الادهاشية فيما يلي:-
1- اعتبار الومضة الشعرية منصة من المنصات الحديثة التي اعتمدها (السماوي) بكليتها في التكثيف في الصورة، والإيجازفي اللغة، والقصدية في المعنى المبثّوث فيها.
2- ترتكز الومضة عند (السماوي) على ضوابط ذات منافع فكرية، وربما أطروحات سياسية، واجتماعية تشي عن مستتراتها عبر قصرها.
3- تُعدُ الومضة لدى (السماوي) من القصائد الشعرية القصيرة المُلغمة بالتشفير، والدلالة.
4- الومضة في معيار (السماوي) هي تدفق النَّسق الشعوري القصدي، وألا شعوري، والمخيالي الداعم لتأثيث الصورة.
5- تناسب الومضة الشعرية لديه، مع إيقاع العصر في مديات التلقي، ومجسات الإنصات.
6- قول الكثير، بالقليل من الألفاظ، والجُمل، للوصول الى المعنى.
7- تَتَمّحور الومضة لدى (السماوي) حول التحوّل إلى جنس من الأجناس الشعريّة الحداثوية التي تشفع له بالاختصار دفعاتها التنويرية، وبثّها المحرض.
8- ابتعاد (السماوي) عن النَّمط في كتابة الشعر الأوربي الحديث، وأسلوب الشعر الياباني (الهايكو).
9- محاكاة الواقع المعاش عبر البثّ الموضوعي.
10- التأكيد على توافر ملامح تجلّيات الدهشة في مخبوءاتها، واستثمارها للخيـــال الإنساني، وموارد المدرك الحسيّ، وبثّ المعنى الفكري داخل مقصوراتها، وانتقاء الصور الشعريّة بعناية، والابتعاد عن الحشو والسرد، والحفاظ على وحدها العضوية البنائية.

ولا بد من الإشارة في هذا المعنى، الى أن الومضة عصية في مزاجها اللّغوي، والصوري، وفي بثـــها للمعنى، على إيجاد متلقي يستطيع امتلاك ناصية تفكيكها، وتحليلها، لكي يرافق تلك الدهشة الابتكارية التي تتسم بها الومضة الشعرية، لأنها نصاً غير مفتوح، وذو معان إيحائية، وتلميحية، ودلالية ورمزية تعتمد على جملة من الخصائص السالفة الذكر، التي تحتاج بطبيعة تكوينها الشعري، والتعبيري إلى (ملتقي مثقف) يرتقي بها إلى مصاف خلق النصّ التفسيري المحاذي، أو المجاور، لأنها تتعدى محاور التصاقها بالمجسات الموضوعية، والذاتية، والشكلية، والفنية الى ما هو اشمل من الأشكال، والأنماط المتعددة الوجوه، وهي بالتالي لا تعطي حلولاً جاهزة للمتلقي بل تحثه على التفكير معها، لإحالة الومضة لجملة من التفسيرات، والإسقاطات لتثويرها، وأرجعها الى معينها الاستقبالي الابتدائي، لتحصيل الاستجابة المثلى منها.

ولعل من المهم هنا استذكار أهم الشعراء الذين اهتموا بكتابة الومضة الشعريّة العربية ومن روادها نازك الملائكة، ورشدي العامل، وأمل دنقل، وعز الدين المناصرة، وأحمد مطر، ومظفّر النواب، ونزار قبّاني، وسيف الرحبي، ونادر هدي، وزياد العناني، وانسي الحاج، ويحيى السماوي الشاعر العراقي، موضوع دراستنا النقدية هذه.

وهناك العديـد من الشعراء الشبـاب العـرب الذيـن نحــــوا هذا المنحى، وكتبوا الومضة بشعرية عالية وملفتة.

ووفق نظرتنا النقدية هذه، علينا إن نعترف وفق منظورنا الفلسفي، والتنظيري، والجمالي، اعتبار كل ما هو (جديد) و(مفاجئ) و(مبتكر) و(لامع) و(مرمز) و(حداثوي) يخلق (الدهشة) دائماً.

مَعايير الوَمضة الشعريّة -

على ضوء ما تقدم من تبيان لخصائص الومضة في الَّنسق الجمالي لتَجلّيات الدَهشة .. وتَمَظْهرات المَعْنى في البَثّْ الحِسّي، والفِكْري، يؤكد لنا الشاعر العراقي (يحيى السماوي) على أنه ليس بإمكان الشاعر أن يصل إلى غرضه الشعري في استثمــار البَثّ الحسّي، والفكري بدلالة اللفظ الواحد المجرد بذاته، ولكن بإمكانية اللجوءه إلى دلالة اللفظ وقصديته الفاعلة في جسد (المعنى) المتوخى، والذي تقتضيه ألموضوعة الجمالية، وتشييدها وفق منظومة رصانة اللّغة ليستدعي من خلالها النوايا الدلائلية، والنتائج الانتهائية للحصول على معنى ثانٍ مجاور لذلك المعنى الأصيل، ليصل بومضته إلى الغرض السيميائي العلاماتي، والإشاراتي، والدلالي، والإيمائي، والتمايز النَّسقي في ترصين بنيّة الومضة، والارتكاز على معالم الاستثمــــــــار التتابعي، وثمّة مجموعة من (المعايير) الناجعة التي استثمارها الشاعر العراقي (يحيى السماوي) لهذه المعالجة الشعريّة الومضوية الحصيفة، والتي تتخلص برأينا .. على الوجه التالي:-

1- الرصانة اللّغوية المُنجدية.
2- اختيار الثيمّة.
3- توالد الابتكار.
4- ابتكار الدهشة.
5- البثّ الدلالي.
6- العمق الواقعي.
7- أاستثمار المخيال ألتأثيثي.
8- الإشارة إلى الكِناية.
9- توهج فاعلية الانزياح.
10- إحداث المفاضلة بين الألفاظ، والمفردات، والجمل.
11- تدشين الاستعارة في دلالتها اللحظية.
12- اللمعة في رشاقة فرصة التمثيل الاستشعاري.
13- انتخاب المفاجأة في وضرورة التقاطها في حيزها الآني.
14- ترميز المعنى وانتقاء التلميح بين (المعنى + معنى المعنى)..
15- بث المورد الحسي، والفكري بعناية ذات بنية واخزة وتحريضية.

إن جملة هذه المعايير تعطي لشاعرنا (يحيى السماوي) حقوق الامتياز الكبرى في تأسيس مشروعه الومضوي المهيب، و(اللعب في منطقته اللّغوية الحرَّة) التي يمتاز بها، وبتفاضلية مائزة على غيره في امتلاكها، فهو يُحدث هذا التلاحق ضمناً عن طريق التفاعل، والتمازج، والتوائم، والالتصاق، أو ربما التنافر بين الألفاظ، والمفردات، والجُمل لتوصيل فكرته المُبتغاة، والابتعاد القصدي عن المألوف، والتقريري، والسائد ليُعطي لمعنى المفردة أو اللّفظة، أو الجملة معنى ثانٍ يتضمن في طياته مخبوءاته الرمزية ذات الدلالات النوعية الواعية، لذا نجده يتهرب من الوقوع في مسلك المباشرة القاتلة، فيلجأ إلى المُبتغى الأنموذجي في توصيل فكرة ومضته من خلال الصورة الذهنية المتراكمة، والتي خَلقت من بُعدها الإنساني ذلك الاتجاه الانحيازي للمعـرفـــــة، والعودة إلى أصول الأفكار، ومرجعيتهــا الإنسانيــة لخلق معالم الومضة عبر (معنى المعنى) وتَجلّيات الدَهشة، وتَمَظْهرات المَعْنى في البَثّْ الحِسّي، والفِكْري، والتحريضي وصولا لملاحق التغيير.

رَكائز الومضة الشعريّة -

اعتمد الشاعر العراقي (يحيى السماوي) على جملة من الركائز التي أكد على توافرها في ومضته الشعرية، لإظهار تجلّيات الدهشة، وتمظهرات تجليات المعنى المبثوث داخل المَجَسّ الحسيّ، والاشتغال الفكري، ووفق المعطيات، والخصائص، والركائز التالية:-

1- استثمار مخبوءات اللّغة في إظهار معالم الدهشة.
2- خلق حالة من الترقب، والترصد، والتحفيز لإنعاش الموارد الجمالية للدهشة.
3- إتباع النهج التواصلي مع المتلقي، للإبقاء على لحظة التوازن أثناء زمن التلقي، والبث.
4- إثبات أصالة الشاعر في استخدام أدوات مهاراته الفنية.
5- انصهار المنظور الخارجي، مع المتدفق الداخلي.
6- المحافظة على عمارة النسق الدلالي.
7 - توظيف (الدهشة) توظيفاً زمكانياً لائقاً، وغير مقحم.
8- تأسيس محطات تلاقي بين النص، ومواطن الدهشة فيه.
9- الاعتناء بتوهج (الدهشة) في مكامن الإبهار في النص.
10- القفز على المألوف والسائد، وإيجاد ملاحق بديلة للتكرار.
11- قصدية استخدام الومضة المدهشة في سياق النص.
12- عدم توقع بواعث الدهشة في اللاوعي المتراكم.
13- ضغط الزمن، والإيجاز، والتكثيف في النص.
14- التحضير للباعث الحسيّ لبث الدهشة.
15- تحقيق المفاجأة التحفيزية المحضرة في النص.

أَهداف الوَمضة الشعريّة -

وعند الرجوع لشاعرية الومضة داخل النفس التراتبي للشاعر العراقي (يحيى السماوي) نجد بأنه يؤثث مشهده الشعري لقصيدته الوامضة، عبر اجتهاده الخلاق، ومعجميته الوافرة البلاغة، وانسيابية جملته الشعرية، في خلق حالة من التسامي، بين ومضاته الشعرية، وبين المتلقي، من خلال ابتكار الدهشة .. وتجليات المعنى في البثّ الحسّي، والفكري لتوصيل المعنى التشفيري عبر ومضاته الشعريّة، فقد اعـــــــتمد (السماوي) على جملة من الأهداف لتحقيق مراده التوصيلي داخل ثيمة المعادلة القائمة على (المعنى+ معنى المعنى) وكالتالي:

1- الإدهاش.
2- التوهج.
3- التشويق.
4- المفاجأة.
5- التأمل.
6- الغموض + الوضوح.
7- التكثيف في الصورة الشعرية.
8- تأثيث المعنى داخل المعنى.
9- اختصار الثيمة وضغطها.
10 - الجزالة اللّغوية.
11- الاختزال المكثف.
12- الدلالة السيمائية.
13- بثّ مرتكزات الأثر التفاعلي.
14- الاتكاء على المُحفّز العقلي، والحسيّ.
15- الاعتماد على ملحقات التلقي العالية.
16- تأسيس جسور تواصل بين الومضة وبين (الإنصات)
17- الاعتماد على بنيّة التغيير عبر المُحرض الفكري، والسياسي.
18- استثارة الوعي في خلق حالة من كسر الإلهام.
19- الارتباط بين الداخلي، والخارجي لخلق حالة (الإدهاش).
20- موائمة العلاقة بين الفهم (الفردي+ الجمعي).

وعن ماهية الومضة وجمالية بثّها، وتجلّيات المعنى في أثرها الحسيّ والفكري، وارتباطاتها الأصلية وفق معايير خصائصها المتجلية بأعلى درجات سموّها، وشاعريتها لسحب دائرة الإنصات إليها بروية أخاذة.

ثمة أسئلة تتجلى في الذاكرة النقدية، وملاحق التلقي، علينا الوقوف إزاء جلّ تساؤلات (الشاعر) والنظر إليها بإمعان لتحقيق هدفنا المنشود وفق نظرتنا النقدية، والاستقبالية وعلى ضوء منتظمات تحقيق تلك الموائمة بين ابتكار العـوالم الجمـاليـــــة للدهشة، وقصدية بَثّ الأثر المُحرض في المعنى الحسّيّ، والفكري عبر المدركات العقلية، والمعرفية العالية، والمعطيات الهادفة، والتجلّيــــات المأخــــــوذة بالوعي، والمعبئة بالمخيالية الباذخة الوسع في في التأثير.

الوَمضة الشعريّة-

أن الومضة الشعريّة في مُعترك الشاعر العراقي (يحيى السماوي) هي لحظة البَثّ التعبيري الخاطفة، والمُبتكر الآني المُثير للدهشة، والتماهي المتزامن مع التجلّيــات الحاصلـة داخـل إرهاصاتـه الإنسانية، واعتباراته الفكرية، هي مسوغ مثالي حاضر في زمن بَثّ المعنى (المشفر) في مخبوءاتها، لأنها أي الومضة، فعل ديناميكي، وفيزيقي مُتحرك، غير ثابت، يتحول وفق المناسبة المتدفقة، ولحظات التدوين المحفزة، بل ومع لحظات التلقي، وهي لدى (السماوي) حالة من حالات الاتقاد الذهني المشفوع بفطنة تخيلية عالية، واستقراء واقعي فطن، مع امتلاك ناصية اللغة التي يحمل خصائصها بمهارة متفردة، وبتوافر موارد بلاغية، لذا استطاع النفاذ الى جسد (الواقعة الومضوية) بل واخترقها إلى ما هو ابعد من توالد معطياته عبر الوسائل التعبيرية، الغير التقليدية، للوصول لدوره الفاعل في زمكانية النشاط الإنساني المجتمعي، الذاتي، والجمعي.

وفي رأينا النقدي .. أن الشاعر العراقي الكبير (يحيى السماوي) هو الأفضل، والاهم، والأعمق، والأفحل من بين الشعراء الذين كتبوا الومضة الشعرية، حيث امتازت (الومضة الشعرية) في اعتماداته الفكرية، ومبثوثاته الحسيّة، والوجدانية، ورفعته اللّغوية العالية، بالكثير من المُبهرات التي أوجدت لها شكلاً ابتكارياً جديداً، فهو يعتمد على (ميزانسين) الدهشة المحركة، والفاعلة في جسد الومضة، ليصور من خلالها ذلك الكم الهائل من اللقطات المتسارعة داخل بوتقة الحراك في زمكانية الحدث اللّحظوي، أو ألاسترجاعي، أو ألاستشرافي، فهو يميل الى تكثيف اللقطة الوامضة حدّ الاقتصاد، ويعالجها معالجة ذات مجسات دلائلية تحريضية بالغة الجدوى، فهو يرسم ومضته الشعريّة بعناية فائقة النجوع من حيث طرائزية اللّون (الجنس) وانسياب الموسيقى، ووقع الجرسية، واتزان الإيقاع، والارتكاز على الإيحاء، والقصدية في الإشارة، والنزوع الى التلميح، والإفادة القصوى من التكثيف في اللفظ، والجملة الشعريّة، والتركيز على المعنى، و(معنى المعنى) وهو يكتب الومضة الشعريّة عبر محكمات قصيدة النثر، أو الشعر الحرّ، أو التفعيلة، أو العمودي، وهذه دلالة واضحة على تفرده في استلهام ملامح تثويـــــر ملهمـــات ومضتـــــــه الشعريّــــــــة لصالحــــــه
الموضوعي، والشكلي.

المَنْظُور الجَمالي-

لقد حرص الشاعر (يحيى السماوي) على أن تكون ومضته الشعرية من حيث (المَنْظُور الجَمالي) تصّب في صالح توالدية نظرية التلقي المُؤسسة من عناصرها الثلاث (الرسالة + المرسل + المتلقي) والتي لها جذور محورية ثابتة في الذات المصغية، والمنصتة، بصفتها الذاكرة المتلقية الجمالية، وباعتبارها أيضا العقل المُفسر لها، وهذا يتأتى عبر النص ذاته، إذا ما امتلك حسّه الموسيقي العالي، وإيقاعه الرصين، وجرسيته الراقية، وصوره المخيالية، والواقعية ذات التماس باللحظة الآنية وتطوراتها الفاعلة في الذهن الفردي، والجمعي، وحاز على نظام داخلي مؤثث بعناية فائقة، وبترشيد لغوي فاخر، وانسيابية ذات مغزى ترميزي حصيف، باعتبار أن النصّ الشعري الومضوي له آفاق استقبالية خاصة، ومحاور تلقي ذات أجواء متفردة، وقوام حسّي، وفكري عالٍ.

القَوام الجَمالي -

ومن خلال ما تقدم، يمكن لنا الاستدلال على أن تجلّـيات (الدهشة) وتمظهـرات المعــــنى في البثّ الحسيّ، والفكري في الومضة الشعريّة التي استدام فعالية نبوغها الشاعر العراقي الكبير (يحيى السماوي) في تأثيث (القوام الجمالي) من خلال العملية الاستكشافية المضنية المعتمدة على دلائل فاعلة في جسد الومضة الشعريّة، والمتضمنة لكامل عميلة المستجدات الحاضرة، والتواصل مع المُتغيرات، في معالجة الرؤية الشعريّة من خلال ما يمتلكهُ من مدعمات الثقافة العالية، والموارد الفكرية الرائدة، ومنجديته اللّغوية الراقية الحصيفة، والتفاعلات السياسية، والإنسانية المجتمعية، وكحصيلة لسنين غربة طويلة قضاها في وطنه طريداً سياسياً، وفي المنافي كمهاجر، ولاجئ سياسي لا يملك إلا قصائده الشعريّة السامقة التي استطاع من خلالها أن يخلق له منصّة عاليـــة لبثّ نوازعه الإنسانيـــة، وخلجاته الوجدانية، ومواقفه السياسية، والفكرية، والإنسانية، وليكون صوتاً تحريضياً مدوياً ضدّ طغاة، وزبانية عصره، ولتحيق هدفه المنضوي تحت لافتة عالية القيمة، ومن ثم للوصول إلى غرضه المنشود في (تجلّيات الدهشة .. وتمظهرات المعنى في الأثر الحسيّ والفكري).

تَحْليل العَيِّنات -

ومن اجل الولوج الى معطيات التفسير، والتحليل وفق موسوم دراستنا النقدية هذه ((تجلّـيات الدهشة .. وتمظهرات المعنى في الأثر الحسيّ والفكري)) ولدراسة معالمها المُستترة من خلال (الباث + المستقبل) علينا اختيار بعض النصوص (السماوية) الوامضة كـ(العينات) لإحالتها إلى منطقة التحليل، ومرجعيات التأويل.

ففي ومضة شعرية قديمة كان قد كتبها الشاعر (يحيى السماوي) عام 1968 والتي يقول فيها:-

كـان أبـي مُـزارعـاً
يـعـمـلُ فـي زراعـةِ الـحـنـطـةِ والـرزِّ ...
وأمـي تـنـسـجُ الـشَّـرنـقـة ْ
//
ثـوبـاً جـمـيـلاً مـثـلـمـا الـزّنـبـقـة ْ
//
لـذا نـقـشـتُ مـنـجـلاً يُـعـانـقُ الـمـطـرقـة ْ

هنا يُفشي الشاعر (يحيى السماوي) سرَّ علاقته الحَمِيميّة الرائعة مع والديه، بل ويفتخر بأن والده كان مزارعاً، وهذا الفخر يتأتي من أصوله البيئية والمجتمعية، وقيمه الفكرية، والسياسيَّة، ثم يَصِفُ والدته بهذا البذخ الجمالي المُرهف، بأنها كانت تنسج الشرنقة، ثوبا كما الزنبقة، هذه الموائمة الاستدلالية المحكمة بين كدِّ الفلاح وفحولته الفاعلة في جسد الأرض، وجمال الأنثى ورقتها، التي وصفها بهذا الوصف المُدهش، وحين تقف مجسات الإنصات في ذواكرنا المُتلقية نكتشف بأن (السماوي) صاغ هذه الومضة بإدهاش يحمل في طياته الكثير من الدلائل المشفرة، فهو يختم ومضته الشعرية برقي حسيّ مرهف، وبثّ فكري عالٍ، متواشج مع انتماءه السياسي، حين يقول، لذا نقشت منجلا يعانق المطرقة، وهذا الوضوح العقائدي الإيديولوجي يضمن له الإشعاع التراتبي المشفوع بثبات الموقف الفكري، ووضوح المعنى.

لقد وظفَ (السماوي) دلائله الرمزية عبر عملية تجلّيات عوالم الدهشة وبَثّ المعنى في الأثر الحسيّ والفكري، توظيفاً استنتاجيناً، وانساقيا ماهراً في صياغة وتدوين الومضة الشعريّة، على اعتبار أن العِمــارة الشعريّـة، تحتضن ذلــك الكـَمّ الهائــل مـن الخزين المعرفي لديه، لتحيله إلى وعي نوعي بالنصّ، وبثّه الى المتلقي بوصفه مُلهم (ذاتي+جمعي) يستطيع النفاذ الى مساحات واسعة في مخيلة الاستشراف، لأنه العنصر الأساس في تطوير المعنى الأصيل للدهشة، وإبراز مكامنها الخلاقة، والإبقاء على ديمومتها في الذاكرة الجمالية لدى (السماوي).

وفي ومضة أخرى يقول السماوي:-

الـوطـنُ اسـتـراحَ مـنـي
وأنـا اسـتـرحـتُ ...
*
لأنـنـي مـنـذ تـركـتُ رافـديـهِ :
مُـتُّ !
إن هذا التصريح المفرط بالقسوة على الوطن أولا، باعتباره الفسحة المكانية التي شتت أبناءها في المنافي، والقسوة على الذات ثانيا، لأنها لم تستطع الصمود إزاء استفحال أزمنة الطغاة، لذا نجد (السماوي) صرخ بهذه اللّوعة المتخمة بالخيبة، لأن وطن استراح منه، وهو استراح أيضا من الوطن، لأنه منذ أن ترك رافديه مات، ولفظة رافديه، تأتي متزامنــــة مع قصديـــة الفحوى في إنعاش تجلّيات اللّحظة بالدهشة، وبثّ الفحوى الفكرية واستثمارها داخل الومضة الشعريّة التي يدونها (السماوي) فهو مُولع حدّ التماهي بوطنه الذي غادره مبكراً مُرغماً، شريدا، محكوما بالإعدام غيابيا، لكنه يحمل الفراتين بين جانبيه كدلالة لوضوحه الأنتمائي لوطنه الأم، ودهشته المبكرة فيه، وبه.

وفي إحدى الومضات النوعية الباهرة حيث يقول (السماوي) فيها:-

أكـرهُ الأدخـنـةَ
باسـتـثـنـاءِ دخـان تـنُّـورِ أمـي ...
فـهـو الـدخـان الـوحـيـدُ الـذي لـه رائـحـةُ بـخـورِ الـمـحـاريـِبِ
وعـذوبـةُ نسـيـم الـحـدائـق !

من الملاحظ الجلّي بأن (السماوي) متعلق بأمه كثيرا، فهو دائم التكرار لكينونتها، والرجوع إليها حينما تشتد عليه الأزمنة، وتضيق به الأمكنة، لأنه يعتبرها الإيقونة المشعة في حياته، حتى بعد موتها، ربما هذا التجليّ يصبح واضحا في هذه الومضة، وفي رأينا بأن (السماوي) وعلى مستوى أكثر ومضاته الشعرية، خلق من علاقته بأمه نسقا واعياً، وفطريا في آن واحد، ويأتي هذا التعلق بها، لترجمه حالته وهو متشبث بها على اعتبارها الشــاهد الحـيّ (الميت) على عذاباتـــه اليومــية من خلال عيون العسس، فيرجع إليها كمرصد يرى من خلاله كل تلك الآلام التي ألمت به، حتى في منفاه، ففي هذه الومضة المتخمة بالانتماء لوالدته التي أنجبته، وبكونها الحبيبة، والوطن، الذي ترعرع فيه، فهو (يكره الأدخنة) باستثناء دخان تنور أمه الذي اعتبره بالدلالة المشفرة شهيقا من دخان الحب، والأمومة، وسلامة الفطرة الإنسانية المبهرة، والتلاقي الحسيّ، والفكري معها، فهو في ومضته هذه ينعش ذاكرة الدهشة حين يصرح (فـهـو الـدخـان الـوحـيـدُ الـذي لـه رائــــحـة بـخـــــــــــور (الـمـحـاريـِبِ). والمحاريب جمع (محراب) (مُصلى) فهو يتجرد من ذاته ليوغل بالذوات الجمعية ليدلف إلى حضرة المحاريب التي تفوح منها رائحة البخور، وهذه الاستعارة الجميلة، هي ابتكار جديد لإيقاظ الدهشة من سباتها، وليخلق لنا الشاعر من خلالها هذا المزيج المتفاوت بين (الأدخنة) السياسية، والفكرية المقيتة، وما بين نقاء ( دخان تنور أمه) لأنه الدخان الوحيد الذي له رائحة بخور المحاريب، لينتقل بنا (السماوي) الى ثيمته الفكرية الأصيلة ليوغل بنا بعدها بنوازعه الحسيّة العالية، ليقول:-
(وعـذوبـةُ نسـيـم الـحـدائـق (!
وهذا التوائم المهيب بين (دخان المحاريب) و(عذوبة نسيم الحدائق) هو بالتَضادّ مع (الأدخنة) اليومية العابرة التي تضيق بها الأنفس والصدور، وربما هم ذات المارة في شوارع الأفكار الرخيصة، ودهاليز السياسية العفنة، والومضة برأينا .. عبارة عن إيقونة إدهاش ملغمة بالابتكار الحسيّ، والفكري الناهض، والمرمز بعناية فائقة.

وفي ومضة أخرى للشاعر (السماوي) يقول فيها:-

أيـهـا الـولاةُ :
قـبـل أنْ تـحـدّثونـا عـن الـحـشـمـة
إسـتـروا عـوراتـكـم أولاً !
*
تـشـبّـثـكـم بـكـراسـي الـسـلـطـة
قـد أصـابَ الـوطـنَ بـالـبـواســيـر !
*
أهـذه قـصـورُ حُـكـم
أم مِـكـبُّ نـفـايـات ؟
ويتجلى واضحاُ في هذه الومضة المعنى للدافع القصدي، والملحق المُحضر في تمظهرات المعنى في البثّ الفكري للشاعر (السماوي) لان الومضة باشتغالاتها الرافضة، تعتبر إدانة واضحة للحالة السياسية القائمة، ليخلق من تلك الصيرورة المؤثرة للحكمة، والمتشحة بالأفكار التغييرية معادلته القائمة على طرفيّ الوئام، الطرف الأول (الولاة) الذين يحق لهم ما لا يحق لغيرهم فعله، لأنهم يتحدثوا عن الحشمة، وهم عراة، ولم يستروا عوراتهم السياسية، والفكرية، والكارثية حتى بورقة توت، والطرف الثاني، هم ذات الولاة المتشبثون بكراسي السلطة الخاوية التي جعلت منهم (آلهة) مقدسة، لا يمكن محاجتهم، ولا يمكن لأحد الاعتراض على نصهم المقدس، لان جلوسهم الطويل على هذه الكراسي العرجاء للسلطة.

(قد أصاب الوطن بالبواسير).

وبين طرفيّ المعادلة، يخلص (السماوي) الى نتيجة فكرية ذات مجسات حسيّة متفاعلة مع الفهم الجمعي، ليصل الى نتيجة فحواها المُلغّم، وحتى (القصور) التي يسكنها (الولاة) ويحكمون الشعب من خلال شرفاتها الفخمة، ما هي إلا (مكب نفايات).

وفي ومضة أخرى يُفجر (السماوي) فحوى البثّ الفكري حيث بقول:-

إنَّ زنـزانـةً أغـفـو فـيـهـا بـأمـان :
هـي أوسَـعُ ـ عـنـدي ـ مـن وطـنٍ لا أمـانَ فـيـه !
*
كـالـذي يـشـربُ الـمـاءَ بـالـشـوكـة :
ألـمـلِـمُ الـغـبـارَ الـعـالـقَ بـقـدَمَـيـهـا الـحـافـيـتـيـنِ
لأصـنـعَ وطـنـاً يـتَّـسِـعُ لـخـيـمـتـي !

وهنا يتمازج في ذاكرة الشاعر الزمن في عقدته التراتبية، والانفلات من طوق المكان، باعتبارهما مرتبة من مراتب المُكوث حيث تلاحق الإحداث، فالزنزانة التي يغفو فيها بأمان هي ارحم وأوسع عنده من وطن لا أمان فيه، وهذا البثّ الفكري والسياسي القصدي نتاج ذلك الكم الهائل من التراكمات الكوارثية المُحبطة لذات الشاعر، وربما للجمع وهو نتيجة فاضحة لزمن اعتاد فيه الوطن أن يأكل من مائدة الساسة، لا أن يلفظهم كي يأوي إليه الشعراء يحتمون بأسواره، وتُعمر سقوف الفقراء التي باتت تتهالك على هامات أهلها.
وحينما نقف على عتبة الومضة التي يقول فيها (السماوي):-
الـعـشـقُ : أنْ تـمـوتَ حـبـةُ الـقــمـح
كـيْ تُـولـدَ الـسـنـبـلـة !
//
فـاسـجـري تـنّـورَكِ ..
سـأبـاركُ احـتـراقـي
مادام رمـادي ســيـغـدو كُـحْـلاً لـعـيـنـيـك !
//
أنـتِ أمـسـي الـذي لـم يـأتِ بـعـدُ
وأنـا غـدكِ الـذي مـرَّ سـريـعـا !
***
إن من بين مناطق الاشتغال على منصة المعنى في تمظهراته الفكرية الحسيّـة، والذي يقودنا إليـــه (السماوي) بانتباه مشروط بالوعي الاستقبالي، والفطنة النوعية، والتحصين اللغوي الحصيف، ليتفرد في طرح موارد ومضته التي تأخذنا حيث يريد أن يصل إليه من ربط مهماز التواصل الوعيوي بين النصّ من جهة، وبين المتلقي من جهة أخرى لخلق التوائم بتلك المجسات المتفردة النوعية بين المعنى في البثّ الفكري، وبين وعي المستقبل ليحيله الى حاضنة أفكاره المتقدة، وحينما يستدرجنا (السماوي) حيث مكامنه الحسيّة، والعاطفية لتأثيث مشهده الشعري المؤثر في حيثيات المعنى التحريضي، حيث يقول:-
الـعـشـقُ : أنْ تـمـوتَ حـبـةُ الـقــمـح
كـيْ تُـولـدَ الـسـنـبـلـة !

وهذه الولادة الإلهية القيصرية يتابعها الشاعر بشغف الماثل أمام هذا النسق الموضوعي الذي تموت فيه حبة القمح، لكي تولد السنبلة.

إذن، هناك حالة موت، وإزاءها في ذات المعادلة حياة ثانية.

ان هذه المعادلة بطرفيها (الموت+الحياة) هي معادلة معكوسة المعنى، فالجدير بالخلق أن يبدأ بالحياة أولا، لا للموت، لكن (السماوي) قدم الموت على الحياة، ليخلق من تلك الخرائبية التي تحيط به في وطنه، وفي منفاه، جدوى يعيش لأجلها هو، ومن يعيشون تحت هول الحروب والموت اليومي المجاني، لذا أسس للموت قبل الحياة، ليكون دافعا لتكوين تلك المعادلة من اجل استمرارية منهج التغيير.

ثم يعود (السماوي) في المقطع الثاني من الومضة، ليمتحن قدرات المتلقي في عملية البث الحسي، لخلق مساحة من حالة المفاجأة، والتشويق ليدشن بداية ومضته الصادمة، وينعش آمالنا الفائتة الفواجعية بين (الموت+الحياة) بقوله:-
فـاسـجـري تـنّـورَكِ ..
سـأبـاركُ احـتـراقـي
مادام رمـادي ســيـغـدو كُـحْـلاً لـعـيـنـيـك
إذن .. أن موت حبة القمح التي تعني ذات الشاعر، لتولد السنبلة، في المقطع الأول من الومضة، هو معنى ثانٍ للحياة، فيقرر ان يكون رماد احتراقه كحلا لعيون حبيبته، أن ذلك التوائم المرير الذي بدا وكأنه استدراج لملامح إنصاتنا، ليطلب من حبيبته أو أية امرأة عناها في لحظة تدوين الومضة، ان تسجر تنورها، ليبارك احتراقه، وهو الذي اتخمت لواعجه بالوجع، والأسى، ليأخذنا صوب جمال مرادفة الصورة الومضوية الباذخة البهاء، وتنتهي بأن يكون رماد ذلك الاحتراق المهيب كُحلا لعيون تلك المرأة التي تستوطن بواعثه الشعرية المرهفة الحسّ.

وفي ومضة أخرى للشاعر (السماوي) التي يقول فيها:-
أيـهـا الأبـاطـرة :
لـتـكـن لـكـم أخـلاقُ الـعـصـافـيـر الـتـي تـسـرق مـن الـبـيـدرِ
عـلـى قـدر الـحـوصـلـة ...
لا أخـلاق الـتـمـاسـيـح الـتـي لا تـكـتـفـي بـالـبـيـدر
فـتـسـرق الـحـقـل كـلـه !
جاء في معجم المعاني الجامع في معنى (أباطرة):-
(أباطرة: ) (اسم)
أباطرة : جمع إِمبِراطور
(إِمبِراطور) : (اسم)
الجمع : (أباطرة)
لقب يُطلق على كلِّ من يحكم إمبراطوريّة

وهذا الاستخدام لمعنى اللفظة (الأباطرة) أطلقه (السماوي) ليعلن بان الذي يتسيّد دفة الحكم، هم أباطرة من أزمنة الرومان، بمعنى أنهم مغلفون بأبهة الملوك، وبأسم الدين، ليحكموا البلاد بدكتاتورية فاضحة، ولا يتسنى لأحد من عامة الناس أن يتجرأ على (الأباطرة) في رد مهازلهم إليهم، أو يعترض على حكمهم الجائر، ولا حتى في محاولة مناقشتهم في الإجراءات الخرائبية التي آلت بالفواجع على الشعوب، من خلال الحروب، والأباطرة هنا، الساسة الذين ينعمون بخيرات الأرض، والجياع يملئون الأرصفة، وهذا إسقاط تاريخي على الواقع المرير المعاش، فالشاعر ينصح هؤلاء (الأباطرة) الجدد بقوله:-

أيـهـا الأبـاطـرة :
لـتـكـن لـكـم أخـلاقُ الـعـصـافـيـر الـتـي تـسـرق مـن الـبـيـدرِ عـلـى قـدر الـحـوصـلـة ...

وهذا المعنى المغلف بالدلالات القصدية يشي بأن الشاعر رصد عن كثب ممارسات أباطرة العصر، من ظلم، وتعسف، ونمط الحكم الدكتاتوري الذي انتشر من خلاله الفقر، وعمّ الجوع، والخراب، فـ (العصــافير تسرق من البيـدر على قدر حوصلتها) لأنها تحمل أخلاق الجبلة الأولى، التي جبلها الله عليها، لكنكم بلا أخلاق كالتماسيح:-
لا أخـلاق الـتـمـاسـيـح الـتـي لا تـكـتـفـي بـالـبـيـدر فـتـسـرق الـحـقـل كـلـه !
فانتم لا تكتفون بالبيدر (أيها الأباطرة الجدد) بل تسرقون (الحقل كله) وهذه إشارة  واضحة، ودلالة مستنيرة، وعلامة فاضحة، يؤد عليها (الشاعر) ويقف إزاء هذه الممارسات ألا إنسانية ، وألا أخلاقية، وكمية السرقات لقوت الشعب من (أباطرة العصر) انه موقف معارض، وجاد لكشف الزيف الذي جاءوا به، وهذه الإشارة ذات أبعاد فلسفية، واجتماعية، وسياسية، وفكرية يخاطب فيها الشاعر المدرك العقلي، والوعي الجمعي، ليحرضه على الوقوف أمام هذه الفوضى الأخلاقية، والفكرية موقفا اعتراضيا موحدا في وجه (أباطرة الحكم الجدد).

وفي ومضة تالية يتنقل بنا (السماوي) حيث مناطق البثّ الحسيّ الوجداني، ليغرف لنا من مناهله هذه الومضة الرائعة:-

قَـرِّبـي شـفـتـيـكِ مـنـي ...
فـأنـا أريـد أنْ أنـحـتَ لـكِ بـإزمـيـل فـمـي :
تـمـثـالاً مـن الـقُـبُـلات !

يتسامى هنا التمظهر الحسيّ إلى أعلى طاقاته الوجدانية، ليعزف لنا (السماوي) معزوفته (الوامضة) بلحن جميل باذخ الروعة، لتكون هذه الومضة شاهدة، وشاخصة على مدى شفافية، ورقة، وعذوبة هذا الشاعر الموغل بالقدم، والقادم من أعماق التجذر بهذه الأرض الطيبة المعطاءة، انه يتخلى لبرهة عن غضبه، واحتدامه، وحدة خطابه الومضوي، لتتجلى في لواعجه المترفة هذه العذوبة في نزعته الحسيـــّة المبهرة، لتلــخيص تلك اللحظة الماكثة في القلب، والذاكرة، لتكون القُبلة هي البوصلة التي أضاع من خلالها شفتيه، أية قُبلة جليلة هذه التي يزمع (السماوي) أن ينحت منها بأزميله الشعري (تمثالا من القُبلات) إنه تصوير بالغ الهيبة، والوقار، وبذات المعنى النازف بالنبض الحسي الوجداني الملهم، أن هذه الومضة ترنيمة من ترانيم العشق التي ما انفك صاحبها إلا أن يترجمها الى حيز الوجود، أو الأمنيات، أنها فسحة حسيّة جمالية مفعمة بالحياة، والحب، والتمظهر الحسيّ العالي.

وفي ومضة أخرى تتجلى فيها الحكمة والنزوح الى حيث تحفيز البثّ الفكري،
والولوج بنا الى اشتهاداته الفلسفية حيث يقول:-

الواقف على التل
خير من المختبئ خلفه ...
فربما سيكون يوما
شاهد العيان في المحكمة

إن النَّسق الشعري الومضوي لدى (السماوي) يتحول بامتثال إيديولوجي الى نسق فكري دلائلي يبث المعنى حيث مصبات التحفيز، والقدرة على تثوير اللحظة المُستقبلية لدى المتلقي، بمعنى أنها من الأنساق التي تتراكم فيها مجموعة من المصاديق الذاتية، ومن أهمها الوعي الذاتي، والخزين المعرفي، والإدراك، والفهم العالي للزمن، وتحويل ذلك الهم الفردي إلى مجمرة جمعية، تستقي منها الذاكرة الجمعية فرائضها الانتفاضية، وهي بالتالي مبعث أصيل لتوهج الدهشة، وبعث الروح في تمظهرات المعنى في البثّ الحسيّ، والفكريّ داخل متن الومضة.

وفي هذه الومضة يقودنا (السماوي) إلى منطقة غاية في الخطورة في كيفية طرح الفكرة، ومعالجتها، معالجة ذات نسق تصاعدي في البثّ الفكري، حيث يقترح بعقليته الواعية المُفكِرة بأن:-

الواقف على التل
خير من المختبئ خلفه ...

والوقوف على التل هنا، بمعنى الوثوب للمخاطر، ورادعـــا، فهو (خير من المختبئ خلفه) لأنه لا يتصدى للمخاطر، بل لا يشارك فيها، وحتى لا يشاهدها، أو ربما يكتفي بالنظر إليها من وراء تل، وهذا المعنى الدهشوي في بث المغزى الفكري، يأتي مطابقا لما نحن فيه من أزمات، فمنا من يقف على التل، ومنا من يختبئ خلفه، وفي الشطر الآخر من الومضة يأخذنا (السماوي) بأنسابية عالية، ودهشة ماتعة، حيث يقول:-
فربما سيكون يوما
شاهد العيان في المحكمة

وهذه الدلالة العالية الترميز التي تحمل بين طياتها هذا الاعتراض على الصنف الآخر (المختبئ) الذي ربما سيكون يوما .. شاهد العيان في المحكمة، والمحكمة هنا، تعنى محكمة الذاكرة الجمعية، ومحكمـة التاريخ، لان الفارين من احتدام المواقف الخلاصية، هم وحدهم المسؤولون عنما يلي موقفهم الانهزامي، وهذه أدانه صريحة من (السماوي) لمن يواري وجهه القبيح خلف مرايا منكسرة تكاد تفضحه في أية لحظة مواجهة، إنني اشعر شخصيا، وكأني أمام مشهد مسرحي كتب بعناية، وجسده المؤلف الشاعر (يحيى السماوي) بمؤثرات صوتية باهرة، و(سينوغرافيا) مؤثثة بدراية فنية فائقة، وباحة مسرح مكتظة بالجمهور، وإخراج نابض بالحياة، وكأننا إزاء عمل فني مكتمل الأركان، أنها ومضة من الطراز النبيل، التي يمكن للمتلقي ان يقف إزاءها وهو يرتدي عباءته الفكرية، ليحتوي هذا المشهد الوموضوي الادهاشي الرائع، وينطلق من خلاله إلى فسحات النهضة، واستشراف المستقبل من خلال معالم التغيير.

وفي ومضة جديدة استثمرنا جهدنا الاستكشافي في البحث لانتخابها كعينة، هو ذلك التجلي الجميل لمواطن البثّ الحسيّ المفعم بالحياة، حيث يقول (السماوي) فيها:-

حـيـن قـبَّـلـتُ عـيـنـيـكِ
جـاءتـنـي الـفـراشـاتُ تـسـتـجـدي
بـقـايـا الـكُـحـلِ الـعـالـق بـشـفـتـي !

ان التوالد اللّفظي لاستثارة البثّ الحسيّ الوجداني العاطفي في الومضة الشـــــعريّة جاء في هذه الومضة على أكمل أوجهه، ويدلل على ذلك مهارة التناغم الخلاق بين الشاعر، وبين ومضته الشعريّة، والتي تتوهج في أعلي مراحل إدهاشها، لتؤسس مملكة من الحوافر الفعلية الناطقة، لإنشاء ذلك الكم اللائق من الفعالية الحسيّة المنظمة التي يشير إليها ذلك التوالد الشعري داخل رحم الومضة.
حـيـن قـبَّـلـتُ عـيـنـيـكِ
جـاءتـنـي الـفـراشـاتُ ....

وهذا المعنى المرهف الحس يتفجر في لحظة اتقاد الفكرة، هكذا تقوم عملية الإدهاش بفعالية رمزية عالية الإتقان.

(حين قبلت عينيك .. جاءتني الفراشات)
أنها صورة مخملية، بل إنه عشق عذري مهيب، هو يقبل الحبيبة من عينيها، المكان المقدس الذي لا يفجر مكامن الغرائز، بل يفضي على المشهد مظاهر الوقار، والهيبة، وما يحدث بعد تقبيل العيون، تجيء الفراشات، بفحوى حسيّة راقية المعنى.

تـسـتـجـدي
بـقـايـا الـكُـحـلِ الـعـالـق بـشـفـتـي !
انه تصوير غاية في الرّقة، فالفراشات تجتمع بعد التقبيل، لتستجدي (بـقـايـا الـكُـحـلِ الـعـالـق بـشـفـتـي). أنها بلاغة في تأثيث ذلك التطهير للمشهد، والارتقاء به صوب ملاحق الجمال، والفتنة، لقد استثمر (السماوي) روحه الشفيفة في خلق هذا المشهد الومضوي النجيب، الذي تمخض عن موائمة نبيلة، بين القُبلة، والفراشات، والكحل، أنها سيمفونيـــة شعريــــّة صوفية راقية، من الطراز الحسي الوجداني المبهر.

لقد استثمر الشاعر العراقي الكبير (يحيى السماوي) أدواته الفنية الراقية، ومنابعه اللغوية الحصيفة، وملاحقه التعبيرية العالية، في إثراء منتجه الومضوي الذي أجاد به علينا من خلال جمهرة من الومضات التي وضعنا أيدينا عليها كعينات، لنبرز مدى فخامة، وفحولة، وعراقة هذا الشاعر الخلاق، والكبير (يحيى السماوي).

وفي ومضة لامعة أخرى من ومضات (السماوي) قادتنا مواطن شغفنا بالوطن، وبأوجاعه لاختيارها والتي يقول فيها:-
أضـلاعـي تـسـاقـطـتْ نـخـلـةً نـخـلـة ...
//
ونـجـومُ سـمـاءِ الـوطـن انـطـفـأتْ شـهـيـداً شـهـيـدا !
تتجلى في هذه الومضة مأساة الوطن بكل اشكالياته الحاضرة، هذه المأساة التي تجلّت بمعيارها الإنساني بأعلى صورها، لتشكل أيقونة من الحزن (السماوي) على مأساة وطنه وهو يراقب عن كثب كل هذا الخراب الذي يحيط به، كانسان، وكشاعر، فمزج بين دقة العبارة المرسومة بعناية شاعر يمتلك أدواته الفنية، واللغوية، وبين المعنى الملغز، والدلالة القصدية الفحوى، ليضعنا في حضرة لحظة شعرية إدهاشية مثلى، لإشباع ذلك البثّ الجمالي المخبوء داخل محيطات الخراب، ولإحاطة المعنى المستتر في ذاته المتألمة، فامتثل إلى تكييف طاقته الشعريّة الومضوية إلى أقصاها، لتحتوي اللحظة هذا الإيجاز الشعري المؤلم، ولتعبر تلك اللحظة مديات الأزمنة، لتوقظها من سابتها الطويل، حيث يذهب إلى تفسير ذلك الألم الذي يعتصره ليقول:-
أضـلاعـي تـسـاقـطـتْ نـخـلـةً نـخـلـة ...

أنها لحظة خاطفة من لحظات تجلّي الدهشة، وتمظهرات المعنى الحسي، والفكري بأجمل صورهما، وفي آن واحد، وهذا التشبيه الدلالي بين الأضــــــلاع، وبين النخلة، هو امتداد للنسيج الخلقي، والحضاري، والتاريخي الذي يتوخى (السماوي) حضوره، على مستوى التناغم بين أضلاعه، باعتبارها رمزا لوجوده الإنساني، وبين النخــلة على اعتبـارها الوجـود الأصيـل لعراقيتــه، وديمومة وجوده كانسان يتميَّز بهذا الالتصاق بالنخلة باعتبارها رمزا للبقاء، ودلالة تفردية رائدة، من مفردات وجوديته الآدمية، فحينما تتساقط أضلاعه .. نخلة .. نخلة .. سيفقد حتما سمّته الوجودية في الكون، لِعلّة ذلك الترابط الوشيج بينه كدلالة إنسانية، وبين النخلة باعتبارها التجاور التوالدي لبقائه، وهكذا تكون الحياة بالنسبة للشاعر (السماوي) قد انتهت بانتهاء تساقط أضلاعه، نخلة .. نخلة .. وهذا الاستثمار الإنزياحي اللغوي الباهر لا يتوارد إلا على مخيال شاعر كبير في التوأمة بين الضلع كـ(وجود أنساني) وبين النخلة كـ(مرادف لوجوده) ويرجع هذا التشبيه الفاتن، لتعلق (السماوي) بالنخلة، ونشأته في ظلّها، فهو بن (السماوة) التي عاش في كنفها مستظلا بظل نخلها الوارف الظلال، وبالتالي فهذا التوائم هو دلالة يقينية، ودلالية على انتماء الشاعر وانحيازه لموقفه الثابت في التجذر بأديم الأرض.

وفي المقطع الآخر من الومضة يقودنا (السماوي) الى حيّز آخر من التكوين في تجلّيات الدهشة، وتمظهرات المعنى داخل اختزالاته اللغوية، حيث ينتقل بنا الى عالم أرحب من الذات، والنخلة، الى عالم الوطن الذي يسكن فيه الشاعر مغتربا، ومنفيا عنه، حيث يقول:-
ونـجـومُ سـمـاءِ الـوطـن انـطـفـأتْ شـهـيـداً شـهـيـدا! وهذا التشبيه الجمالي المرهف الحسّ، بين نجوم السماء، وبين الشهيد، هو تشبيه مجازي في المعنى العام، لكنه في إطار المعنى الإدراكي التوصيلي الفاعل في فسحات التلقي، فله دلالة باهرة، صَورها (السماوي) تصويرا ببليوغرافيا رائعا، فها هي:-
(نـجـومُ سـمـاءِ الـوطـن انـطـفـأتْ شـهـيـداً شـهـيـدا).
والنجوم في حيّزها اللّفظي هي ذاتها النجوم في فسحتها التكوينية الإلهية، أن هذا الربط الدلائلي في فحوى البث الفكري بين النجوم التي انطفأت ليبزغ من نورها شهيدا، هي ذاتها وفق نظرة ذلك الارتباط الوثيق والعتيق بين (الشاعر) وبين الشهيد، باعتباره الرمز الخالد للوجـود الأنتمــائـي، ليصبح (السماوي) وفق هذه المعادلة الدلالية العميقة المعنى، مملكة حروفيّة خالدة، ومؤسسة من القصائد الوامضة الفاخرة التي تحاكي الوطن عبر النجوم التي ينطفئ وميضها شهيدا .. شهيدا على وجه الورقة البيضاء، لتمتلئ بنزف الشعر على الوطن الذي أعلن الحداد منذ أزمنة الحروب القديمة، والجديدة على أبناءه الشهداء.

الخاتِمة -

وهُنا علينا أن نؤشر على جملة من الحقائق ذات المنافع النقديّة، والملاحق الجماليّة، والمواطن الادهاشية.

لقد أشتغل الشاعر العراقي الكبير (يحيى السماوي) في تأثيث فضاء مشهده الومضوي على فحوى تكوين العلاقة المُثلى بين (تجلّيات الدهشة، وتمظهرات المعنى في الأثر الحسيّ، والفكري) وبالمعنى النقدي، انه ينتقل من المعنى المجرد للفظة، أو الجملة الشعريّة، إلى المعنى الدلائلي، أي الارتكاز على العلامــة الكبرى في حيّز سيميائيــــة اللّغة، لينشئ معنى مجاور جديد لذات المعنى الدلائلي، فهو يستثمر كل طاقات المعنى في اللّفظة، وخصائصها، وتكويناتها اللغوية، لإحالتها الى علامة، أو إشارة، أو إيقونة، أو رمز، أو إيماءة، أو معنى مشفر، أو كود لغوي، وهو بالتالي يربط ربطــا نسيجيــا واعيــاً بين الدال، والمدلــول داخـل لخلق البنية الشعريّة الرصينة من خلال تلك التوأمة السيميائية المائزة، ليدخل فسحة (معنى المعنى) في تركيبات قصائده الشعريّة الوامضة، وتجلّيات توهج الدهشة فيها، والتي تنتفع منـــــــــها تمظهرات البثّ الحسيّ، والفكريّ، ليحقق (السماوي) بذلك أسبقية الصدمة على المتلقي، وأحقيته في أن يكون جاهزا ليشارك الشاعر بثّه الشعريّ، للوصول الى منافع التحفيز، والتغيير عبر ملاحق توهج الدهشة في الومضة الشعرية.

وفي رأينا النقدي .. بأن الشاعر (يحيى السماوي) خَيّرُ من يفعل فعلته الادهاشية هذه، على ضوء قدرته الفاعلة، والمتفاعلة في جسد توهـــــجها في الأثـــــر الحســي، والفكري، لأنه شاعر كبيــر يتمتع بذلك التَميَّز الخلاق، في تأثيث مشهده الشعري الومضوي المدهش.

إن الشاعر العراقي الكبير (يحيى السماوي) وقف وبامتياز على رأس القائمة الطويلة لشعراء الومضة، لفحولته الشعريّة، ورقيّ سجله الشعريّ، والفكريّ، والسياسي الطويل، والذي عانى منه كثيرا، حتى أصبح لُقمة سائغة للمنافي، والغُربة، والعُزلة، والابتعاد عن وطنه لعقود طويلة، والذي كان يستوطنه في كل لحظة شعريّة، حينما كان ينزف فيها دما، لا حبراً، فقد هرب من العراق متخفيا، بعد ان صدر عليه حكم الإعدام، من زمرة البعث التي تربعت على النَّفس السياسي، والثقافي، والأدبي، والفكري، لعقود طويلة، غاب فيها العدل، واستفحل فيها الطغاة، والأقزام.

لقد بذلنا جهدا نبيلا، في انتخاب هذه المجموعة من ومضات الشاعر العراقي الكبير (يحيى السماوي) لاختيارها كعينات، وإحالتها الى مضامين الإطار النظري، لتحليلها، واستمالتها الى منطقة التأويل، وتسليط الضوء على مكامنها الشعرية وفق موسوم الدراسة النقدية (تجلّيات الدهشة.. وتَمظهرات المعنى في البثّ الحسيّ، والفكريّ) وقد أذكينا هذا القدر من عميلة انتخاب للومضة السماوية من خلال ولوجنا الى حيز توهج الدهشة في الومضة الشعرية، باعتبارها المِهماز الخاطف اللّحظي الذي يستطيع إيقاد مكنونات الإنصات، وملاحق التلقي، نجد بأن الدهشة في تحليلينا النقدي تكمن في مدى إمكانية تناولها كبثّ آني، أو كعـــارض محرض، أو كنسق جمالي، او عمق استفزازي، لا يتوقف عند حدود المتعة، بل يتعداه إلى هو أسمى في مواقيت التغيير، بتداخل ضمني بين المتعة،التحريض، والاستفزاز، إلى مواطن استكمال عناصر الاستقبال من لدن المتلقي، لارتقاء بالذائقة المستقبلة صوب مناحي، وآفاق ذات دلائل واعية تستطيع ان تتجلى في مقامات التفسير، وعتبات التحليل، والوقوف في حضـــــــرة الدهشة، ومن ثم فهم التجلّيات داخل المعنى المخبوء في البثّ الحسيّ، والفكريّ داخل الومضة الشعريّة.

إن عملية خلق، أو ابتكار الدهشة في الومضة الشعريّة لدى الشاعر العراقي الكبير (يحيى السماوي) تقع في رأينا النقدي على عاتق مجموعة من العوامل الحسيّة والفكريّة التي آثر الشاعر أن يلتزم ببثهما في متن النصّ الومضوي، للوصول إلى المبتغى الوعيوي الجمعي، لتحفيز المدرك الحسيّ، والمدرك العقلي، لمعالجة العديد من الهَنات السياسيّة والفكريّة والمجتمعيّة لكي تستيقظ الذات البشرية من سباتها الطويل، وإحالتها إلى ملاحق التَفكّر، ومفاتن التنفس، والانتعاش من خلال بثّ معالم التحريض للوصول الى النتيجة الحَتميّة، وهي مجمل عملية التغيير الناجع في الوضع المُسْتَلب منالمبدع أولا، ومن الرقم الأساس في معادلة الانعكاس الإجمالي للتغيير وهو (الإنسان).

لقد توفرت العديد من المقومات لدى الشاعر العراقي الكبير (يحيى السماوي) من نَجابة الخَلق الشعريّ، والتأسيس الجمالي، والتأثيث الصوري، والمحصنات اللّغوية المُنجدية العالية، وفاعلية تجديـــد الأنَّســــاق الفكريـــّة الواضحـــة المعـــالم، والأطروحات الفلسفية المتداخلة تارة بالترميز، وتارة بالوضوح، فهو دليل وافر الخصوبة على فخامة شاعريته وفحولتها، وعلو كعب إبداعه، اللتان تزامنتا مع تجربته الإنسانية أولا، والفكرية ثانيا، والسياسية ثالثا، والعاطفية رابعا

ولأنه يُعدُ من أهم القامات الشعريّة العربية العالية، والتي أسست لها مملكة شعرية تُدار وفق منظومة موهبته الفذة، وثقافته الواسعة، ومناهله القرائية المتعددة، ومعجميته الفاخرة، فهو مكتبة معرفية متنقلة، وموسوعة شعريــة زاخرة، فقد قامت دعائم، ومعطيات، وركائز هذه المملكة الشعرية (السماوية) العريقة على بنائية جمالية ذات خصائص شعريّة سامقة، تفرد لوحده بها الشاعر العراقي الكبير (يحيى السماوي)


 

Back to Top