ثقافة القهوة التي نشربها
محمود كلّم - فلسطين

 


من التراث الشعبي البدوي..

للقهوة عند البدو طقوس وعادات من حيث طريقة إعدادها وكذلك الأدوات التي تُعدّ بها. وحتى طريقة توزيعها على الضيوف في فناجين خاصة بها وطريقة شربها. إضافة إلى أنها تقليد متوارث عن الآباء والأجداد، وموروث يعتزّ البدوي به ويفخر. فهي دليل على الكرم وحسن الضيافة والشهامة والرجولة والنخوة. من هنا جاء تفنّن البدوي بإعدادها، فلها حضور دائم في الأحزان والمسرات. فيها يبتدئ الحديث وبها يُختتم، وتفضّ الاجتماعات وينتهي الجدل. لذا فمن النادر أن يعثر المرء على فرد بين البدو لا يجيد إعداد القهوة أو طريقة توزيعها على الضيوف. لأن الصغار يشبّون ويكبرون على رؤية تلك الطقوس والعادات وكيف يجري الاستعداد لها وتكريسها واحترام قواعدها.

على ساقي القهوة أن يُمسك الدّلة بيده اليسرى وفناجين القهوة باليمنى، التي بها يُقدم القهوة للضيوف في وقفة تنمّ عن الاحترام العميق والتقدير المتناهي. ومثل الساقي، يجب على الشارب أن يتناول الفنجان بيمناه، فإذا كانت مقطوعة أو مشلولة يضع الساقي الفنجان على الأرض ليكون في مقدور الشارب تناوله بيسراه.

تبدأ سقاية القهوة من اليمين إلى الشمال، لأن اليمين ورد تفضيلها في القرآن الكريم على الشمال. وهي تتمّ بفنجان واحد أو أكثر، وليس بالضرورة أن يكون عدد الفناجين مساوياً لعدد الحضور. وفي مناسبات العزاء، ينبغي عند الانتهاء من ارتشافها الترحّم على المتوفّى، ويتحاشون كلمة «دايم»؛ لأن المتعارف عليه أن الساقي يصبّ القهوة حتى يقول له الضيف دايم أو يهزّ فنجان القهوة.

إعداد القهوة
---------
تبدأ مراحل إعداد القهوة في البداية بالغلوة الأولى التي تُسمى البكر أو الراس. أما إذا أُعيد تسخينها بإضافة الماء إليها وقليل من البُنّ فتُسمى «ثنوة». حتى إنهم نعتوا الغريب عن عالمها بـ" الغشيم ما يعرف الثنوة من الراس".

أما أدوات القهوة وعدّتها فهي عبارة عن طاقم نحاسي يتكون من ثلاثة أباريق.
1- الإبريق الكبير، ويطلق عليه اسم الدلّة الكبرى، وتستعمل لتجميع خميرة القهوة، وبه تُغلى القهوة أولاً.
2- الإبريق الوسط، الدلّة الوسطى، وتستعمل لغلي القهوة البكر (الجديدة)، فبعد أن تُغلى القهوة في الدلّة الكبرى تُترك لمدّة حتى تترسب، ثم تُصفىّ وتُصبّ في الدلّة الوسطى وتضاف إليها كمية قليلة من القهوة المطحونة، وتُغلى حتى تصبح كثيفة، ثم تصفى وتصبّ في الدلّة الصغرى.
3- الإبريق الصغير، الدلّة الصغرى، وتسمّى المصب. فبعد انتقال القهوة، وهي في مرحلتها الأخيرة، إلى الدلّة الصغرى يُسكب شيء قليل منها في الركوة، دليلاً على جاهزيتها للشرب وتقديمها للضيوف بعد إضافة حبّ الهيل. وتمنح الزيادةُ في الغليان القهوةَ مذاقاً لذيذاً، وتضيف جوزة الطيب إليها نكهة خاصة.

قهوة بدو الجليل
------------
يستخدم بدو الجليل في تحضير القهوة أدوات أخرى غير تلك التي ذكرناها، وتنبع من خصوصية تجذرت ووسمت حياتهم بميسمها، هي:
1- الجراب: كيس يُصنع من جلد الخراف الصغيرة، تُحفظ فيه حبّات القهوة النيئة قبل تحميصها.
2- المحماسة: الأداة التي تحمّص بها القهوة على النار، وهي إناء معدني مقعر، ولها يدٌ تسمى يد المحماسة وهي على شكل ملعقة كبيرة، تحرك بها القهوة أثناء تحميصها على النار، حتى تكتسب لونها المناسب.
3- الجرن: يُصنع من الخشب، وأجوده ما صنع من خشب البطم أو التوت.
4- الكانون: وهو موقد متنقل وغير ثابت يشبه المنقل، ويستعاض عنه في أحوال كثيرة بحفرة في الأرض.
5-الملقط: أداة من الحديد تستعمل لمسك الجمر أو تجميعه وتحريكه داخل موقد النار أو الكانون.
6- المهباش أو النجر: يستعمل لطحن البن المشوي داخل الجرن وله رسوم ونقوش مختلفة. يرافق عملية هرس البن أبيات شعرية ترحب بالضيوف، منها:
دق المهباش يا جويّد خليّ النيران شعالة
عن وجه الضيف ما تحيّد طلت عالحي خيّاله
ومن الأغاني الشهيرة للقهوة عند بدو الجليل:
بالله تصبّوا ها القهوة وزيدوها هيل
صبّوها للنشامى ع ظهور الخيل
وللمهباش وأغانيه فنون في الإيقاعات يتقنها ضارب المهباش، حتى كاد أن يُصنّف آلة موسيقية عند البدو.
7- الصينية: وهي الوعاء الذي توضع عليه الفناجين.
8- الفنجان: هو ما يشبه الكوب الصغير، تصّب فيه القهوة وتقدم للضيوف، وله عند البدو عدة مسميات:
- فنجان الهيف: على المضيّف أن يهفّ (يشرب) الفنجان الأول من دلّة القهوة أمام الضيف، وذلك طمأنةً له بأن القهوة جيدة وخالية من الغش ومن المواد الضارة أو السامة.
2- فنجان الضيف: وهو الفنجان الأول الذي يقدم للضيف، وهو تقليد موروث ومتعارف عليه، وهو واجب الضيافة. ويجبر الضيف على شربه شاء أو أبى، إلا في حالة وجود عداء أو أن يكون للضيف طلب لدى المضيّف فيشربه بعد وعد من المضيّف ببلوغه غايته التي جاء من أجلها.
3- فنجان الكيف: وهو الفنجان الثاني الذي يقدم للضيف، وهو ليس مجبراً على شربه، بل هو لتعديل المزاج, ومحتواه قليل جداً قياساً لسابقيه.
4- فنجان السيف، وهو الفنجان الثالث الذي يقدم للضيف, وهذا الفنجان في الغالب يتركه الضيف ولا يشربه لأن تركيز القهوة فيه كثير جداً يفوق ما عداه.
معانٍ وعِبر
---------
ثمة اعتبارات أخرى لدى بدو الجليل، منها أن إهانة زائرهم أو الضيف هي بالسلوك لا بالكلمات، فعدم تقديم القهوة له يعني أنه ضيف غير مرغوب فيه وهو دليل على إهانته. كذلك لا تُعاب القهوة علناً مهما كانت، وجرت العادة على تقديم الماء للضيوف قبل القهوة، لأن طلب الماء بعد شربها يُعدّ إهانة للمضيّف وإشارة إلى رداءة نوعية القهوة وعدم رضى الضيف عنها.. ويفضل البدو شرب القهوة في الديوان ويسميها البعض المضافة، والديوان يكون مفتوحاً ليلاً نهاراً في منزل أحد وجهاء العشيرة، ويمكن أن يكون في العشيرة أكثر من ديوان.

لا يوجد تعليقات حتى الآن