حكاية العصفور وزهرة النرجس
من حكايات الغجر

 

كان يوما هاهنا..

عصفور الأمس ، أو عصفور الظل كما كان يحب أن يناديه الآخرون ..، كان كمثل كل العصافير هنا ، مدوراً أسمر الريش ، ضعيف الجناحين ، دقيق العين ، وإن كانت بصيرته المحلقة دوماً فوق التفاصيل الصغيرة لحياة أقرانه من صغار العصافير ، قد جعلته محط الأنظار ، فأدرك ذاته مختلفاً عن الجميع..

وكان ..

أن حط يوماً فوق شباك صغير من شبابيك " ابنة الغجري" الملصقة فوق منزلها القديم الذي لم يكن يبعد كثيراً عن النهر ، ذلك المنزل الذي كان الجميع يخشون الاقتراب منه إذ كانوا يعرفونه بيتاً مسكوناً تغشاه الأشباح والعفاريت ، وكان – بالفعل – يبدو هكذا في قيامه وسط لفة النخيل المتراشقة ، القائمة كسياج يحوطه خلف الباب الحديدي المغلق دوماً والمزين برسوم صدئه لوجوده شيطانيه مفزعه..

فلما أن حدث وحط العصفور الجريء فوق الشباك الصغير ، كانت تلك هي البداية لقصتنا التي قد لا تتكرر أبداً ..، فقد حدث وأن وقعت عيناه على وجه "ابنة الغجري"، وكانت نظرة تعقبها ألف حسرة ، فقد كانت هي ، مثل كل نساء الغجر اليافعات ، امرأة طفلة لم يتعدى عمرها الثلاثة عشر عاماً ، وكانت أيضاً مثلها مثل أي غجرية أصيلة ، تعشق هاتيك الطيور المحلقة في المدى الرحيب ، مثلما تعشق الجياد والنار والغناء عند الغروب..

هكذا بدأ العشق المستحيل ، ما بين عصفور الأمس والمرأة الطفلة … ، حين أصبح لقاء الصدفة هذا ، هو لقاء يومي اتخذ لنفسه من الغروب علامة وموعداً ..، وكأنما صارت هي إليه العش الحميم والمأوى الأخير ..، وهو طائر النار الذي يحمل معه أحلام فتيات الغجر ، ليحلق بها فوق كل الحدود المزيفة التي يصنعها لهن الآباء الهاربين من جلودهم ، المتطلعين إلى حياة الاستقرار داخل المدن الصناعية الغريبة.

وكان كلما آتاها ، رآها في ثوبها الزاهي ، المصنوع من أوراق الورد ، والمنقوش كأنه زهرة عباد الشمس تشرئب نحو الفضاء والنور ، أما هو فكان قد اعتاد أن يلقى بين شفتيها ما يحمله بين ضفتي منقاره الصغير .. حبة قمح أو شعير ، عود ريحان ، قصبة من غصن فل أو ياسمين ..، لتجمعها هي يوماً بعد يوم خيوطاً في ثوبها الجميل .،

وكانت هي – بعدها – تطلق إليه بعضا من نغمات صوتها المسحور ، تغنى أغنية البكارة الشهية ، حتى يأخذه الطرب فيما هو يستحم بعسل العينين الحالمتين ، فلا يملك إلا أن يحلق نشواناً في دوائر لا تنتهي ، حتى تلقى به أجنحته الواهنة بين جدائل نخله قريبة ، كان قد اختارها مكاناً للنوم يسمح له بالنظر إلى محبوبته النائمة من بعيد ، فيقضى أوقاته متقصياً تفاصيل الكيان المرمري الذي كان يضئ كل ليله بلون جديد من ألوان الأحلام الساخنة التي تمنحها الحياة لمثلها من النساء الأطفال .. وهكذا .. مضت حياة العصفور ما بين لقاء الغروب وأحلام الليالي الفتية وصحوة النهار التي كان ينطلق بعدها في رحلته اليومية المرهقة ما بين الحدائق والبساتين ، ليجمع أعواداً جديدة من الزهور الندية ..

حتى كان أن جاء يوم..

حط العصفور – كعادته – على شباك "ابنة الغجري" فرآها ما تزال نائمة – على غير عادتها – في حلم الأمس الدافئ ، فوضع إليها هديته وانطلق محلقاً دون أن يسمع صوتها المسحور..، غير مُلق بالاً إلى ما طرأ عليها من تغير ، وإن التقطت بصيرته العميقة بعض الثقل الذي يحمله الهواء المحيط بها ، لكنه قاوم هواجس الضعف وتحامل على جناحيه محلقاً نحو الأفق ، وقد قرر في نفسه شيئاً لما تأكد له ما يعتري روحها من ألم ، فدار حول البيت مرتين أو ثلاث، ثم انطلق جهة الشرق عابراً النهر قاصداً بستان بعيد كان يعرفه منذ زمن ، إذ أنه قد اختار أن يعود لها غداً ببضعة أعواد من زهرة النرجس التي لا تنمو إلا في ذلك البستان البعيد . صحيح أنه لا يدرى بالضبط لماذا هذه الزهرة بالذات اليوم ، ولكنه بذل جهده في الحصول على أعداد منها ، رغم بطء طيرانه اليوم بعدما ألم به صباحاً من إجهاد مفاجئ بسبب ثقل الهواء حول محبوبته..

وفى اليوم التالي عاد العصفور متأخر فيما بعد الغروب بقليل ليواجه موقفاً غريباً لم يفهم له تفسيراً ، ذلك انه وفى طريق عودته أدرك حدسه نقطه الوصول ولكنه لم يرى شيئاً لا البيت القديم ، ولا لفه النخيل ، ولا حتى البوابة المكللة بالصدأ . !، فهل أخطأ حدسه في حساب المسافة !؟. إنها لو حدثت ستكون سابقه أولى في حياته ..، وهكذا طار وطار طيران الحائر الذي أضاع عنوان مكان أصبح فيه وأمسى ، مكان هو عشه الحميم ومأواه الأخير ..، ولم يصدق ، فحلق هذه المرة إلى أقصى ارتفاع ممكن ورمى بنظره من عينيه يقيس المسافة ويحدد الأبعاد ، فيما قد اشتدت أعصابه النافرة محاولاً التركيز (فضيلته الرئيسية فهو من وصفه الكاتب الفرنسي (ميشيليه) بأنه "القمة السامية للتركيز الحي").. ها هي .. نخلته القريبة.، والبيت القديم .. ولكن أين الشباك ؟. لم يعد هناك شبابيك ترى!. فالمكان كله قد غرق في أضواء وألوان مبهرة تقطعها خطوط وأسلاك وكريات ملونة بلا حصر..، ولم يكن عليه سوى الهبوط إلى أسفل حتى يستطيع الوقوف على ما تم ، والفعل ألقى بنفسه جهة المنزل بسرعة هائلة وهو يكتم أنفاسه الصغيرة ، ويبتلع ريقه مخافة أن ينفتح منقاره فتسقط منه زهرة النرجس التي قضى في سبيل الحصول عليها يوماً بأكمله..

لكن الأمر لم يكن سهلاً ، فالبيت المسيج قد أحيط بألوان متعددة من الحواجز المبهرة التي تغشى العيون والآذان أيضاً، إذ كان كلما يقترب يطارده صوت لفرقعة مدوية أو ضربات طبل أو صرخات نسائية غريبة ، علاوة على ملاحظتها في حالة العمى التي أصابته من شدة الضوء هناك ..

حاول مرة وأخرى وثالثة بلا نهاية وأيضاً بلا فائدة ، حتى لقد بدأ كواحد من أولئك الذين يعرفهم من ذكور النحل والذين كان يراهم في حومهم حول الخلايا المتناثرة بين الحدائق والبساتين التي كان يرتادها يومياً..، لكنه لم يتراجع ، وظل يدور حول المكان ما بين صعود وهبوط ، دون أن يجد لنفسه مكاناً يحط فوقه ليرى حقيقة ما يحدث هناك فيما وراء هذا الجنون الذي أحاط فجأة ببيت معشوقته الغجرية…

وعندما أوشك على السقوط من الدوار والتعب ، لمح وجه فتاته الجميل ، وقد تلون – بضربة واحدة – بكل ألوان الأحلام الساخنة التي كان يراها منفصلة ، مفصله ، يوم بعد يوم فوق الشباك البعيد الذي كان يعلق إليه عيناه كل مساء ..، وعندما تبين له أنها هي بالفعل ، كانت تخطو ناحية لفة النخيل ناحية الباب الحديدي الضخم يكسوها ريش أبيض ناصع من الرأس وحتى القدم..، وحيث كان ينتظرها هناك رجل غريب متجهم الوجه رآه لأول مرة ساعتها..، فيه نفس ملامح قومها من الغجر الذين عاش على حواف خيامهم خارج المدينة منذ زمن..، ولم يصدق عينيه للوهلة الأولى ، فأطلقهما مرة أخرى بعد ما دار دورة واسعة تتيح له فرصة النظر عن قرب ..، أجل .. إنها هي.. غير أن عيناها كانت تحملقان ذاهلتين في الفضاء ، وكأنما راحت تفتش عنه ولا تراه عبر هذا الضجيج الملون الذي انشق عنه المكان في تلك الليلة ..

وكان .. إن اشتعل العصفور الأسمر الصغير جنوناً ، وظل يطير إلى أعلى ما يستطيع بأقصى ما يستطيع أيضاً ثم يعود للهبوط إلى الأرض مثل نجم مذيل احترق لتوه..، فيما كان الموكب الاحتفالي الصاخب يمضى بفتاته بعيداً عن العش والمأوى القديم ، إذ ما لبث الرجل الغريب وأن اقتادها إلى علبة سوداء منبعجة الشكل ، بدت له كحيوان أسطوري من ذوات الأربع متناه القبح ، وهى تنطلق بها مخلفة وراءها دخان كثيف وضوضاء مفزعة كادا أن يفتكا به لولا معاودته الطيران لأعلى بأقصى سرعة مطلقاً العنان لجسده الطري يشق الهواء خلفها أينما ولت..، فقد كان حريصاً ألا يغيب عن عينيه الدقيقتين هذا الوحش الأسود المنطلق عبر طرق المدينة المظلمة ، مرة بمحاذاة النهر، وأخرى فوق الجسر القديم، وهكذا .. حتى وصل إلى أطراف المدينة وبالتحديد عند تلك البقعة الكئيبة خلف مسلخ الموتى وفوق تل العقارب..!

هكذا لم يعد لدى عصفورنا المذهول العقل شيئاً يفكر فيه سوى متابعة خطى معشوقته الآدمية، فقد حدث كل شئ – كما لاحظنا – بسرعة عجيبة ، لم تترك له فرصة التراجع ، أو حتى فرصة الحزن أو الألم ..، كانت الصدمة كافية لكي تغلق عين بصيرته العميقة ، وتجعله يبذل جهداً فوق الطاقة ، حتى ولو كان ثمن هذا كله هو حياته نفسها..

فما كانت إلا لحظات معدودة حتى استقر فوق حافة منزل متهالك يستجمع هناك أنفاسه بينما يتابع في نفس الوقت حركة المرأة الطفلة التي طار خلف موكبها ، ومن ثم تبين له أنها قد دخلت إلى ذات البيت الذي يقف أعلاه تصاحبها ذات الأصوات الصاخبة المسعورة ، بصورة تفزع منها أكبر الطيور حجماً، فما بالنا بعصفور مثله متناه الصغر مثل كرة الريش !. وإن كان قد تماسك في إصرار متمالكاً قدرته على الاحتمال بانتظار نهاية هذا الأمر ، فإنه لم يكن قد حدس بعد الصورة التي ستكون عليها هذه النهاية ، التي باتت قريبة جداً .. والحقيقة أن تلك النهاية كانت تمضى نحوه بسرعة غير متوقعة منذ أن قرر اللحاق بتلك الفتاة التي تعلق بها قلبه الدقيق الحجم ، ولكنه متسع اتساع المدى الرحب الذي صال فيه وجال حتى هذه اللحظات..!

فالعصفور الذي لم تحول بينه ومحبوبته أصوات الضجيج والأضواء الملونة المشتعلة حولها، قد استطاع التقاط صرخاتها المستغيثة داخل المنزل الكئيب الذي أدخلوها إليه ، ومن ثم جن جنونه واستمر يدور ويدور حول المنزل عله يجد منفذا أو طاقة للرؤية ، حتى راعه أن يلحظ من خلال نافذة ما مكسورة منظراً ألقى فيه الرعب ، فقد رأى فيما يرى الطائر فقط، الفتاة الرقيقة ملقاة خلف باب مغلق في بركة صغيرة من الدماء ، وقد غرق جسدها كله في لون الحمرة الدامية ، واختلطت الألوان على وجهها لتصبح لوناً واحداً هو نفس لون الموت الأصفر.. فما شعر إلا وهو مندفع كعصفور ملتاث نحو الشباك المكسور ، غير عابئ بتلك الآسنة المدببة التي اخترقت جسده بلين وعمق ، فكل ما كان يفكر فيه في تلك اللحظة من لحظات النهاية هو أن يلمس للمرة الأخيرة فم جميلته الغجرية ، ليلقى إليها بعود النرجس المشئوم الذي كان هو بداية المأساة..!

وفى الصباح.. وعندما امتدت يد الرجل المتجهم لإيقاظ الفتاة النائمة مثل ملاك متهالك، شاهد على صدرها شيئاً ما جعله يشعر بغصة في حلقه وأورثه مرارة لم تفارقه طيلة حياته معها، فقد كانت هناك جثة مدماه لعصفور صغير أسمر كروي تقريباً..! أمسك بها برفق محاولاً إخفاء امتعاضه من هذا الفأل السيئ وألقى بها من النافذة المكسورة بعيداً ..

لكن هذه لم تكن هي النهاية ، بل على العكس - وكما في قصص الأفلام الميلودرامية - كانت هي البداية .. بداية حياة جديدة للعصفور الأسمر الشقي ، عصفور الظل .. فبينما كانت ابنة الغجري تفتح عينيها متجولة في سقف بيتها الجديد، كانت شفتاها تلفظ ورقة صغيرة من أوراق النرجس لم تدرى من أين جاءتها ، في حين كانت يمناها تتحسس جسدها الجديد – أيضاً – في خدر غامض . فالشيء الذي لم تكن قد عرفته بعد هو أنه وفى أحشائها ترقد الآن بذرة اللقاء الأول مع زوجها ، ولكن في غلالة من روح عصفور أسمر ، روح تنتظر اليوم الذي سيأتي قريبا لكي تنطلق من الرحم الدافئ نحو المدى الشاسع ، حاملة معها كل أحلامهما القديمة، أحلام الغجر ، وكذا العصافير ، في الحرية والنور.

لا يوجد تعليقات حتى الآن